محمد أبو رمان

أين الجانب الآخر؟!

تم نشره في الثلاثاء 8 كانون الثاني / يناير 2013. 02:00 صباحاً

أبرز ما يسِم الحملات الانتخابية الحالية وأسماء المرشّحين، ذلك الحضور المكثّف الواضح لرجال الأعمال والأثرياء من أصحاب العقارات والمصالح التجارية المختلفة، ما يعطي "المال الانتخابي" دوراً ملحوظاً في نتائج الانتخابات النيابية.
دور رأس المال لم يعد متعلّقاً بالهواجس من عملية "شراء الأصوات" التي شهدتها انتخابات العام 2007 بصورة واضحة؛ فهذه الظاهرة ربما يحدّ منها دور الهيئة المستقلة للانتخاب وجهودها الملموسة. بل يمتد هذا الدور إلى تشكيل القوائم الوطنية ذاتها؛ إذ أصبح معروفاً أنّ القوائم تصمّم وفقاً لما يريده أصحاب الملايين القادرون على الدفع لاجتذاب المرشّحين لقوائمهم. كما يمتد أيضا إلى ترتيب أسماء المرشحين في القائمة، ليشتري هؤلاء لأنفسهم مقاعد متقدّمة بما يدفعونه!
صحيح أنّ "المال الانتخابي" ليس ظاهرة أردنية بل عالمية، وله حضوره البارز والملحوظ حتى في انتخابات العالم المتقدّم، إلاّ أنّ الوضع لدينا مختلف من وجوه متعددة؛ تحديداً في "المجتمعات الانتقالية" التي تحتاج إلى قدر كبير من التوازن والتوافق على الاستراتيجيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ستحكم البلاد خلال الأعوام المقبلة، وتغيب فيها الأحزاب القوية الفاعلة التي تستطيع بلورة وتأطير مصالح المجتمع والجماعات ضمن خطابات سياسية مصقولة ومتوازنة.
الفرق الآخر المهم يتمثّل في أنّ المال يلعب دوراً ثانوياً أو مساعداً في تجارب الدول المتقدّمة مع وجود أحزاب، ويأخذ دور رجال الأعمال والقطاع الخاص والنقابات المهنية والعمّالية دور جماعات الضغط. أما في الانتخابات الحالية، فإنّ دور المال يتضخّم إلى مرحلة القيادة والتأثير في مجمل العملية الانتخابية، مع غياب قوى سياسية فاعلة تدافع عن الطبقة العاملة، وعن الطبقة الوسطى بصورة خاصة.
الاختلال في الدور المطلوب لـ"رجال الأعمال" بدا واضحاً في انتخابات 2007، عندما كان التفكير الرسمي مُكرّساً لضرورة وجود هذه الفئة ضمن "السيستم" في مجلس النواب، لدفع عجلة البرنامج الاقتصادي. وساعدت مراكز القرار مجموعة من هذه الشخصيات على الوصول إلى مقاعد البرلمان. لكن الأداء كان سلبياً ومخيّباً للآمال؛ إذ طغت المصالح الشخصية والاعتبارات الذاتية على عملها، في حين تبدّى قصور الرؤية السياسية لأغلبية هذه النخبة الجديدة.
حضور هذه النخبة لم يكن مقتصراً على "النواب"، إذ توازى ذلك مع دخولها إلى مواقع القرار، سواء عبر مؤسسات مستقلة أو حقائب وزارية، ما خلق حينها جدليات الجمع بين السياسة و"البزنس"، وأثار نقاشات حول منظومة القوانين الاقتصادية التي أقرّت بدون أن تراعي الجوانب الاجتماعية، وخلقت اختلالات كبيرة في المعادلة الاقتصادية-الاجتماعية.
الحال اليوم مختلفة تماماً؛ فأغلب القوى السياسية والمسيرات والحركات الاحتجاجية وضعت ضمن أولوياتها وبرامجها وشعاراتها مسألة "العدالة الاجتماعية"، وفي مقدمتها قانون الضريبة التصاعدية، والتهرب الضريبي، وغيرها من مطالب تحمي الطبقة الوسطى والطبقات الفقيرة التي تعاني من الضغوط الاقتصادية والأزمة المالية، ومن تفصيل قوانين وسياسات بما يتلاءم مع مصالح طبقات معينة محدودة.
بالضرورة، من الجيّد، بل والضروري، أن تكون هنالك مشاركة وفاعلية لأصحاب الأعمال في الحياة السياسية، لكن أن يكون ذلك في الاتجاه الصحيح، وليس الخاطئ. فحجم الإنفاق الهائل على الحملات الانتخابية والدعائية وتشكيل القوائم، يصيب العملية الانتخابية بالاختلال، ويطرح تساؤلات عن غياب مثل هذا "السخاء" في المشاريع الوطنية الكبرى، وفي الخدمات الاجتماعية، كما هي حال رجال الأعمال والقطاع الخاص في مجتمعات متقدّمة؛ فالجانب الخيّر الذي يدرك مفهوم المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص ولرجال الأعمال والمصالح، ما يزال ضعيفاً ومحدوداً في المشهد الوطني!

التعليق