عيسى الشعيبي

جحيم الإبراهيمي وجنة الأسد

تم نشره في الجمعة 4 كانون الثاني / يناير 2013. 03:00 صباحاً

كانت الأقوال التي أدلى بها كل من السيدين الأخضر الإبراهيمي وسيرغي لافروف، خلال المؤتمر الصحفي الأخير في موسكو، بمثابة ورقة نعي لتلك السلسلة الطويلة من الجهود الدبلوماسية المبذولة على مدى الأشهر الطويلة الماضية من عمر الأزمة السورية. كما يصح أيضاً وصف تلك الأقوال بأنها كانت المسمار الأخير في نعش المبادرات السياسية والمساعي العربية والدولية التائهة في بحر هذا الخضم المتلاطم من التطورات المتسارعة، على طول وعرض البلاد الشامية.
ومع أن الدبلوماسيين المخضرمين لم يعلنا فشل المهمة، وتجنبا -شأنهما في ذلك شأن معظم الوسطاء المتكتمين على الإخفاقات الذاتية- التهديد بإنهاء المهمة أو التلويح بالانسحاب، إلا أنهما أوحيا معاً، كل بلغته، أن الطريق التي كانت مسدودة في وجه الحل السياسي للأزمة المتفاقمة ما تزال مسدودة بإحكام، وأن ما كان ممكناً تحقيقه بصعوبة بالغة على هذا الصعيد، غداة تولي الإبراهيمي مهمته شبه المستحيلة قبل نحو نصف عام، لم يعد ممكناً تحقيقه في الواقع، بعد أن تبدل هذا الواقع كثيرا على الأرض.
وفيما كانت نبرة الدبلوماسي العربي المرموق مشبعة باليأس وحرقة الألم وهو يشير إلى أن البديل للحل السياسي هو الجحيم بعينه، كانت لغة الدبلوماسي الروسي القادم من عصر الحرب الباردة مليئة بالوعيد، ومفعمة بروح العناد، وهو يقول ما معناه "إما الأسد وإما خراب البلد"، تماماً على نحو ما ظل الشبيحة يهتفون به، ويخطونه على حيطان البيوت قبل أن تدكها المدفعية والراجمات الصاروخية، أو تقصفها الطائرات الحربية المغيرة بالبراميل المميتة.
والحق أن مثل هذه النتيجة المتوقعة سلفاً لمساعي المبعوث الأممي، لم تكن مفاجئة حتى لأشد المتفائلين –على ندرتهم- بنجاح جهود الوساطة المفتقرة أساساً إلى قوة دفع دولية كافية، وآلية عمل وجدول زمني؛ وذلك حين بدت عجلة الحل السياسي تدور ببطء شديد، إن لم نقل تراوح في مكانها، فيما كانت طاحونة التطورات العسكرية تعمل بزخم ذاتي متجدد مع بزوغ كل يوم، وكانت قوة الثورة المتعاظمة شيئاً فشيئا، تكسب مزيداً من الأرض، وتحقق التوازن النسبي، وتبني عليه باطراد شديد.
ولعل السؤال الذي لم يطرحه خليفة كوفي عنان على نفسه: لماذا كان على الثورة السورية اليوم أن تقبل، وهي في أشد أطوارها تمكناً وبأساً وقوة شكيمة، ما لم تقبله قبل ستة أشهر، عندما كان حضورها على الأرض أقل تنظيماً وتسليحاً وكفاءة، وكانت مكتسباتها الميدانية أضيق رقعة، وأصعب منالاً، وأكثر تواضعاً مما هي عليه الآن، وذلك بعد أن تمكنت من زمام الشمال الحلبي، وضربت في سائر مفاصل النظام، وباتت على أبواب دمشق رابضة ومتحفزة؟!
بكلام آخر، فقد توقفت الدبلوماسية الروسية بطيئة الفهم والحركة عند وثيقة جنيف الملتبسة، ولم تلتفت إلى جملة طويلة من المتغيرات عميقة الغور، الممتدة على مدى ستة أشهر من الانتصارات الثورية المتراكمة، فيما بقيت مساعي الإبراهيمي تحاول إعادة إنتاج تلك التفاهمات التي أكلت عليها كتائب الثورة السورية وشربت، الأمر الذي كان من غير العسير معه الافتراض مسبقاً، بدون مشقة ذهنية، أن القول الفصل في نهاية هذا المطاف، الذي قد يطول بعض الشيء، بات في عهدة القابضين على جمرات هذه الثورة المفصلية في حياة شعوب المشرق العربي كله.
صحيح أن ليل السوريين الطويل لم ينجل بعد، وأن ضربات الحاكم اليائس المذعور قد تكون أشد وطأة لاحقاً، وأكثر تهوراً مما كانت عليه حتى الأمس؛ إلا أن من الصحيح أيضاً أن هوامش المناورة المتبقية أمام من ورث "المزرعة" عن أبيه قد ضاقت بالقدر الذي ضاقت فيه لدى داعميه الذين لم يعد في وسعهم إنقاذه من مصيره البائس، وأن الثقة بالنفس لدى الثورة التي شبت عن الطوق، قد بددت كل بقية باقية من شك في أن سدرة منتهى هذا المسار المؤلم المديد، سوف تنقل السوريين من لجة الجحيم المقيم إلى عتبة فردوس الحرية الموعودة عما قريب.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مصير الاسد لن يكون افضل ممن سبقوه امثال صدام والقذافي (م الحجاج)

    الجمعة 4 كانون الثاني / يناير 2013.
    الاخضر الابراهيمي واقتراح المهزلة الذي قدمه ما هو الا لاعطاء السيد ابن الرفيق المناضل المزيد من الوقت لقتل الشعب السوري اذ انه من غير المنطقي ان يقبل الشعب السوري باي تسوية تسمح للطاغية ان يبقى في الحكم ومن غير المنطقي ايضا ان يتوقع اي منا نهاية للاسد افضل من نهاية صدام والقذافي اللذان القي القبض عليهما مختبئان الاول في مغارة والآخر في مجاري الصرف الصحي