مصر: من إعلام الشعب إلى ثنائية النخب والسلطة

تم نشره في الأربعاء 19 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 19 كانون الأول / ديسمبر 2012. 12:42 مـساءً
  • › مقالات سابقة

من يراقب الإعلام المصري والتغيرات التي طرأت عليه عقب التغيير السياسي وصعود الإسلاميين إلى الحكم في مصر تستوقفه عدة مسائل ربما أهمها الاستقطاب الظاهر في وسائل الإعلام  والمواقف الواضحة للاعلاميين وليس فقط السياسيين سواء من الإعلان الدستوري أو من الدستور المطروح للتصويت.
المسألة الأخرى وهي أنه بالرغم من ارتفاع فواتير بعض المحطات الفضائية إلا أن ممارستها الإعلامية الأكثر وضوحا تشير الى كونها محطات رأي وليست محطات إخبارية، بمعنى أنه نادراً مما تتابع هذه المحطات التطورات الميدانية وحتى في أكثر الأوقات حرجاً، فالبرامج الحوارية وليست الإخبارية متواصلة عبر البث المباشر والإعادة، ولم تقم الكثير من هذه المحطات بتغطية مباشرة لأي من التطورات الميدانية والمواجهات العنيفة التي حصلت الأسبوع الماضي في مناطق عدة في القاهرة وخسر الشعب المصري فيها ما يقارب العشر حيوات. بعض القنوات كانت لديها كاميرا لا تتحرك في أحد الميادين سواء حول مقر الرئاسة أو في ميدان التحرير مرافقة لبرامجها الحية في الاستوديو. المسألة الثالثة تتعلق بالتغيير الذي طرأ على المحطات الرسمية، لا يجد المراقب أن التلفزيون الرسمي المصري يختلف كثيرا عنه أيام الحكم السابق وبخاصة من حيث احتكار الرواية الرسمية للدولة لموجاته الفضائية وعدم تمثيل التعددية الحزبية والسياسية، إضافة الى استخدام الأدوات ذاتها من التخوين والاتهام والاستعداء للآخر المصري.
الملفت للنظر أن هذا الاحتكار- وان لوجهة النظر الأخرى المعارضة للاعلان الدستوري ومشروع الدستور- تتم ممارسته من قبل المحطات التلفزيونية الأخرى التي يمكن أن تصنف بأنها مستقلة أو خاصة من مثل النهار وسي بي سي ودريم وغيرها، وهنا يجدر التساؤل عن دور الإعلام ومسؤولية الإعلاميين بتجنب الأدوار التعبوية في وقت الأزمات وربما في الأوقات التي يبدو واضحا لكل منهم واجباتهم التي يعتبرها البعض تنويرية في المقام الاول، وبالذات عندما يكون لدى الكثير من النخب الثقافية والاعلامية الانطباع بعدم أهلية عموم الشعب الأقل حظا في التعليم والثقافة للتعامل مع قرارات مصيرية ذات تأثيرات مستقبلية خطيرة من مثل الاستفتاء على الدستور المزمع اجراؤه يوم السبت القادم الخامس عشر من كانون الأول (ديسمبر). وبعيدا عن كون هذه الممارسات تعزز من سلطة الدولة وأركان الحكم أو على العكس عبر دفعها بالمشاهدين لمصادر أخرى للإعلام لا تتبنى وجهة نظر قريبة أو حتى معتدلة من الرواية الرسمية.
 من الملفت كذلك أن الأفراد الناشطين في الميدان غالبا ما تم تغييبهم عن المشهد الإعلامي المصري فنادراً ما يتم الحديث معهم أو سؤالهم عما يجري أو عن مواقفهم، ويتم الاكتفاء بالتعاطي مع محترفي العمل السياسي من الخبراء القانونيين أو النشطاء السياسيين البارزين. مما ينقل الثورة المصرية حتى وإن مرحلياً من ثورة الشعب إلى ثورة النخب الذين يحاولون البحث عن دور في المجال السياسي الجديد، والسؤال المهم الذي يجدر طرحه هنا يتناول مقدار اقتراب الخطاب النخبوي القانوني والسياسي في المحطات المصرية من المواطن ومن شؤونه واهتماماته الحياتية بعيداً عن التعقيدات الدستورية والقانونية، علماً بأن من بدهيات الممارسة الديمقراطية أن التغيير المنشود من قبل النخب لا يمكن استخدامه بدون دعم الشارع، الذي يمكن النخب ويمنحها الشرعية وهو الطرف الذي يدفع أبهظ أثمان التغيير.
ربما بهذه الوسائل يعيد كلا الفريقين الحكاية المصرية نفسها فالنخب ابتعدت عن الشارع والشباب والقيادات الشابة في الميدان والتي كانت المحرك للشأن السياسي وقادت الميدان في كانون الثاني (يناير) 2011، والقيادة الجديدة تعيد نسق القيادة القديمة في التعامل مع الإعلام مما ينبئ ببوادر إعادة الحكاية القديمة (حكاية ما قبل التغيير). ويعيد للأذهان غياب الدور المباشر للإعلام المصري في التغيير السياسي الذي شهدته في كانون الثاني (يناير) 2011.

التعليق