أصاب القوميون وأخطأ الشيوعيون

تم نشره في الثلاثاء 18 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

بروح الصداقة المفعمة بمشاعر الاحترام والتقدير البالغين، أزعم أن قرار الشيوعيين بعدم المشاركة في الانتخابات النيابية الوشيكة، كان قراراً مجحفاً بحقهم، وبحق المعولين على بلاغة حضورهم واستقامة خطابهم، وصدقية مواقفهم، وعمق تشخيصهم المعهود للمتغيرات. الأمر الذي يبعث على الأسف، ويدعو إلى انتقاد هذا القرار الخاطئ بصراحة يستدعيها الواجب الأخلاقي، ويمليها الحرص على فاعلية دور من كانوا على طول الطريق بمثابة حبة الملح في رغيف الحركة الوطنية التقدمية.
ذلك أن المسوغات التي برر بها الحزب الشيوعي قراره بعدم المشاركة، أو قل المقاطعة التي يتحسس الشيوعيون من مدلولاتها السلبية، لم تكن مقنعة بصورة كافية، وأحسب أنها مفاجئة لرفاقهم القوميين واليساريين الذين أصابوا في توجههم المعلن نحو الانخراط في العملية الانتخابية، الأمر الذي بدت معه حجية قرار المقاطعة هذا عملاً أقرب ما يكون إلى الانسحاب الكيفي من ساحة المعركة بعد أن دقت ساعتها، ودوت أصوات الطبول مؤذنة الشروع بخوض غمار نقعها.
ويزيد من جسامة هذا القرار المعلل بأسباب لا تخص الشيوعيين دون غيرهم، مثل رفع أسعار المشتقات النفطية، أنها المرة الأولى التي يخالف فيها الرفاق إيجابيتهم السياسية المعمول بها كابراً عن كابر، ويقطعون معها تاريخاً طويلاً من المشاركات الانتخابية، كلما كان متاحاً، على مدى أكثر من ستين سنة، كانوا عبرها علامة فارقة، وقوة دفع مهمة لمناضلي الحركة الوطنية والقومية، هؤلاء الذين عززوا حضورهم على نحو تدريجي، وأسهموا في إغناء الحياة السياسية وتنويع مكوناتها، ولو كان ذلك بالحد الأدنى وتحت أصعب الظروف غير المواتية.
وإذا كان الشيوعيون المشهود لهم بالمبدئية والصلابة التي لا تخلو من مرونة وواقعية، قد خاضوا مراراً غمار منافسات برلمانية، وفق قوانين انتخابية معيبة، وشروط ترشيح وتصويت قاسية، ووسط أجواء كانت تشي في كثير من محطاتها بالافتقار إلى النزاهة، فكيف لهم اليوم أن يقنعوا أصدقاءهم بوجاهة قرار المقاطعة هذا، فيما لديهم الآن أفضل القوانين قياساً بما كان عليه الحال حتى الأمس القريب، وبين أيديهم فرصة فوز مناسبة لم تكن على هذه الدرجة النسبية من قبل؟
ويسود لدي اعتقاد أن قرار المقاطعة هذا جاء متسرعاً وقبل أوانه المناسب بكثير، أي قبل أن تتضح مدى إمكانية توافق القوميين واليساريين والتقدميين عموماً على قائمة وطنية مشتركة، قد تسهم في كسر الثنائية التقليدية الراهنة، وقد تؤسس لما يسميه الشيوعيون تياراً ثالثاً يمكن البناء عليه، والمراكمة شيئاً فشيئاً على إنجازاته المتفرقة، خصوصاً إذا تمكن ائتلاف الأحزاب القومية واليسارية من تحقيق اختراقات نوعية في جولة الانتخابات المقدر لها أن تكون تحت أفضل رقابة محلية ودولية، لم تحظ بمثلها أي جولة سابقة.
ومع أن الدوافع والأهداف والنوازع التي حدت بالحزب الشيوعي إلى اتخاذ قرار المقاطعة هذا، هي دوافع مختلفة عما لدى الإخوان المسلمين المقاطعين مبكراً لانتخابات نيابية أتت على غير ما كانت تشتهيه رغباتهم الجامحة في انتزاع قانون انتخابي يضاعف من قوتهم التصويتية الراجحة، إلا أنه في التحليل الأخير يكون موقفا اليمين واليسار قد تماثلا على نحو ملتبس، وتعامد الخصمان السياسيان، المختلفان في الرؤية والنهج، عند نقطة لقاء واحدة، أحسب أنها تصب في ساقية الموقف الإخواني الساعي إلى الظهور بمظهر أنه ليس وحيداً في مقاطعة الانتخابات المقبلة.
لا أعرف ما إذا كان موقف عدم المشاركة المتخذ من جانب الشيوعيين موقفاً نهائياً لا رجعة عنه، أو أن هناك حسابات داخلية لا يمكن التصريح بها أملت هذا القرار المؤسف. إلا أنني اعتقد أن الوقت لم يفت بعد للاستدراك على هذا الموقف الصادم، ومراجعة تلك الاستنتاجات التي أفضت إلى هذا التوجه الذي لا يليق بتاريخ الحزب الشيوعي، ولا ينسجم مع فلسفته المستمدة من واقع تجارب رفاق له في العالم الثالث، حرصوا دائماً على عدم حرق المراحل، والإمساك باللحظة السياسية المواتية، وفتح كل النوافذ الموصدة، والبناء على الشيء مقتضاه بدون مساجلات طويلة.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الشيوعين والمشاركة في الانتخابات (دكتور)

    الثلاثاء 18 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    ارجو من الكاتب ان يعلمنا كم بقي من الحزب الشيوعي سوى مجموعة تعد على اصابع اليد تتشكل منها قيادتهم ، فلماذا كل هذا الاهتمام بالشيوعيون في الأردن فهم لايمثلون احدا سوى انفسهم .
  • »العنوان الأفضل (عزام)

    الثلاثاء 18 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    أخطأ أصحاب المبادئ وأصاب الإنتهازيون.
  • »الفجل الاحمر (س س)

    الثلاثاء 18 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    الشيوعيين ينسقون مع كل المجموعات وفي الوقت الراهن ينسقون مع ما كان يسمى اعدائهم من القوميين والراسماليين