هاني البدري

الموت الحر على إيقاع الصبر

تم نشره في الخميس 13 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً

من سينسى تلك التوليفة الموسيقية الرائعة التي رافقت أحداث مسلسل رأفت الهجان، التي ظلت جزءاً من تاريخ العمل والشخصية ونجاح هذه النوعية من الدراما. إن كانت تلك اللوحة الموسيقية الحالمة التي التصقت في وجداننا، أولى الإشارات لأهمية الموسيقى في الدراما، كناقل حيوي لمجريات الأحداث والشخوص ومجريات العمل، كان ذلك عمار الشريعي الذي رسم باحترافية عز نظيرها آنذاك بين صناع الموسيقى الدرامية.
(المهم أن الشريعي كان يفتح عينه على العمل) كما كان يقول، ويقرأ ماهية الأحداث وعلاقات الشخصيات، فيبني هيكله بوحي من سحر وعمق وتحليل متأن، ليصل إلى ما وصل إليه في مئات الأعمال التي ارتبطت باسمه؛ إنه عمار الشريعي الموسيقار الذي ارتبطت معه، بصداقة ناعمة، وإن افتقدت التواصل الدائم. وهو الذي كان يشيع الدنيا من حوله بطاقة إيجابية لا حدود لها، فتبصر الجموع من حوله بما كانت تجهل بعيون الشريعي. ببساطة لم أر ولعلي مثل كثيرين، إنساناً حراً بحركته وإحساسه وبتعليقاته وقراءاته مثل الشريعي، وكأن مفهوم العجز الذي نعرفه بسطحية تفكيرنا، كان مصدر قوته وانطلاقته نحو آفاق. كانت تفاجئ الجميع دائماً في الولايات المتحدة وكما قص علينا الحكاية مراراً، عرض عليه أطباء في مستشفى كان يتردد عليه بسبب سلسلة النوبات القلبية التي لازمته على امتداد السنوات الماضية إجراء عملية جراحية تأكد لهم بعد الفحوص، أنها ستمكنه من الإبصار، فرفض. أجاب بعد إلحاح الأطباء ودهشتهم لرفض هذا العرض الطبي السخي الذي أشارت فيه التقارير الطبية إلى إمكانية إبصاره عبر زرع بطارية في رأسه؛ ماذا سأرى إن أبصرت؟ لعله كان يذهب بعيداً ليؤكد في كل لحظة أنه يرى بأبعد مما نفعل، ويعي أن لديه ما نفتقده نحن من إدراك الأشياء ومكنوناتها، ويؤكد بثقة أننا من نحتاج لعملية جراحية تصوب قدرتنا على الإبصار. حتى عرفت الشريعي لم أصدق يوماً أن في الدنيا شخصية كتلك التي قدمها محمود عبد العزيز في فيلم "الكت كات" باسم الشيخ حسني، الضرير الذي يرى ما لا يراه الناس، ويتابع أفلام السينما، ويهرب من ملاحقة بوليسية، ويدرك الخفايا والأسرار التي تغيب عن المبصرين.
كان عمار محقاً حين رفض تلك العملية، فهو لم يتخيل أن يرى ما تشهده مصر من تقاتل أهلي مرشح ليكون حرباً، فمات ورحل في اليوم ذاته الذي اندلعت فيه بعد أن رأى أبعد مما يرى المتفرجون للمشهد والمشاركون في تبعاته... لعل تلك الرؤية هي التي منحته ثقة لا تقاس بما نعرف من معايير، حتى عندما كان يدرك خطواته نحو الموت، كان حراً في اختياراته ولم يتسول لقرار رسمي للعلاج في الخارج، ولا حتى نظرة شفقة من أولئك الذين صرحوا أن الرئيس مرسي أصدر قراراً بعلاجه، ولم يفعل حتى يوم وفاته، فرحل حراً وبخطوات ثابتة لم تختلف عن خطواته الراسخة التي كنا نتذكرها في حياته. عبقريته الموسيقية لم تختلف عن عبقريته في تكنولوجيا الموسيقى وأجهزتها والاختراعات الوترية المسجلة باسمه عالمياً... بل لعل رفيقه الدائم (مرض القلب) أكسبه معرفة خاصة بالطب، كان يعبر عنها بأسلوب يراوح بين الكوميديا السوداء والعلم حتى تتيه في ماهية هذه الروح التي تقف حاضرة أمامك في الحياة "طيب يا صبر طيب" أول ما جاد به.. في موسيقى المسلسل الشهير بابا عبده لعبد المنعم مدبولي، اختزلت الحكاية التي انتهت هذا الأسبوع... وسط لهيب الاقتتال في القاهرة، فبينه وبين الصبر الكثير من الطيبة التي أبقته محلقاً بدون قيود، حتى رحل حراً وواثقاً وطيباً.

التعليق