إبراهيم غرايبة

رواية "يحيى" لسميحة خريس

تم نشره في الجمعة 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً

مناسبات وأحداث وأفكار كثيرة تذكّر برواية سميحة خريس "يحيى"..
تدور الرواية حول قصة تاريخية حقيقية، لعالم ومصلح من الكرك هو "يحيى بن عيسى الكركي"؛ عاش في نهاية القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، وهي الفترة التي ورثت فيها الدولة العثمانية دولة المماليك، وصارت المنطقة تابعا لاسطنبول بعدما كانت دولة مملوكية مستقلة مراكزها دمشق والقاهرة وحلب، وكانت الكرك واحدة من مدنها ومراكزها المهمة. ولكن هذا الجزء من الإمبراطورية العظيمة (جنوب بلاد الشام أو الأردن) تعرض لإهمال فظيع مع مجيء الدولة العثمانية، وانهارت المدن والبلدات والتجارة والزراعة والتعليم.
تعلم يحيى في الكرك، وكانت في زمن الأيوبيين والمماليك حاضرة عامرة ومنيعة، كما كانت من قبل في عهد الآراميين المؤابيين والأمويين. ثم انتقل إلى الأزهر. ورجع إلى مدينته عالما ومصلحا اجتماعيا. قبله بأربعمائة سنة، ضاقت الشام بابن "كفر الماء" العز بن عبدالسلام وسجن في دمشق، ثم أطلق سراحه وقرر الهجرة. فعرض عليه أمير الكرك، وهو من أشراف الأيوبيين وأمرائهم، أن يقيم في الكرك بحمايته. ولكن ابن عبدالسلام آثر الإقامة في  القاهرة، وصار قاضي القضاة هناك. أما يحيى فقد عاد إلى الكرك. ويبدو أنك تصغر وتكبر بمقدار البلد الذي تعيش فيه والبيئة المحيطة بك؛ إذ كرس يحيى علمه ومعرفته للإصلاح الاجتماعي.
المختلف في أسلوب يحيى عن العز بن عبدالسلام أنه لجأ إلى الناس ودفعهم إلى الاحتجاج، ولكن ابن عبدالسلام اختار التأثير الديني على السلاطين والعامة. ويشبه يحيى أيضا ابن السلط "السفياني" الذي قاد قبله ثورة اجتماعية ضد المماليك، واعتصم في أودية وجبال وادي اليابس في عجلون. ولكن الجيش المحلي بقيادة الأمير الغزاوي في شمال الأردن وفلسطين (تستوطن عائلة الغزاوي حتى اليوم في الأغوار الشمالية، وظلت لمئات السنين تقود إمارة مهمة في ظل الأيوبيين والمماليك والعثمانيين، وتنافس/ تتحالف مع عائلات أخرى قوية ومؤثرة مثل المعنيين والشهابيين والزبيديين والحسن)، المتحالف مع السلطان المملوكي، أنهى التمرد وقتل السفياني! وهي تسمية يبدو أنه تسمّى بها مؤملا أن يكون المقصود بالحديث النبوي (؟) عن المهدي المنتظر والمسمى السفياني، ولعلها نحلة أموية سفيانية على الحديث النبوي، ثم ظهرت/ اكتشفت أحاديث أخرى كثيرة تؤكد أن السفياني هو المسيح الدجال!
تلتقط سميحة خريس التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في القرن السادس عشر وتوظفها في الرواية؛ فنلاحظ الفقر الطارئ على الناس، وذلك على الدوام من أسباب الاحتجاج، وبدء زراعة التبغ والاتجار به، وانتشار قهوة البن، ووصول الشركات الأوروبية وبخاصة الهولندية إلى المنطقة، والضرائب والظلم والاضطهاد.
أرسل يحيى رسالة إلى مفتي دمشق يسأله هل يجوز الدعوة للسلطان مع الفقر والظلم القائم، فاستدعي إلى دمشق، وجلد، ثم قتل ودفن في مكان مجهول حتى لا يكون قبره مقصدا للمؤيدين والمحتجين!

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق