موفق ملكاوي

عمان الجميلة تغصّ بالحزن

تم نشره في الأحد 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً

ذابلة خدودها، والعينان حجران من دمع ودم. تلك عمّاني التي كفلتني من جوع وآوتني من برد، وأقلتني من ألم وغدر وهفوات ضيّعت تعدادها.
إلى أين يأخذنا الدليل معها، وهي ترى أبناءها فريقين، كلّ يدعي وصلا بها. فيما هي لا تتوه بوصلتها أبدا عن الحقيقيّ، والحجر الذي يُذهبُ الرمالَ زورا وبهتانا.
تلك عمّاني، أعرفها منذ مطلع بوابتها الأولى التي دلفتها، على غير وعيّ، فوجدتها مفتوحة لعابرين كثر غيري، آوتهم بحضنها من غير آه ولا مذمّمة.
في البال أغنيات كثيرة تنشقتها شابّا صغيرا يهفو إلى أول الغيم والأمنيات، مع عديدين وقعوا في حبّ المدينة، في شوارع كانت مضاءة بالياسمين. ركضنا في دروبها، وحمّلنا الأرصفة أمانة سلامتنا من قبل أن نتبين الملامح الأولى للدركي.
في البال ذكريات هشّت بها المدينة علينا، منذ "الجسور العشرة"، وما قبلها، وصولا إلى "الفحيص".
لا بأس ببعض التمهّل في الحب وفي البغض، ولكننا بشر نغادر حكمتنا الأزلية مرة تلو أخرى، لنقع في الحب، ونوغل فيه غير هيّابين لأي إشارة مرور يمكن أن تعترض الطريق القصير.
هكذا اقترفت حبّ المدينة يوم جئتها يافعا، وبلا أمل، من قريتي الصغيرة. "داخلا" عليها بكل ما يحمله البدو من عنفوان.
ولكنني رأيتها بصورة مغايرة. بالأمس، رأيت دم عمّان موزعا بين القبائل. رأيته مهدورا على يد قنابل الغاز المسيّل للدموع، والبيانات والهتافات، وعشرات حالات الاعتداء. وسكانها لا يأمنون على "مشوار" قصير لابتياع الخبز أو حليب لأبنائهم المنتظرين.
رأيت المدينة كـ"قميص عثمان" يدار بها على كلّ مجلس، والجميع ينهض طلبا لثأرها.. "يا لثارات العرب!".
"احتج ولكن لا تخرب بلدك".. و"أيها الدركي: أنا شقيقك". شعاران رأيتهما يتهاديان في شوارع ألفتها كراحة يدي، فمن أصدّق؟
وقبلها رأيت لافتات صغيرة وخجولة مرفوعة على أبواب مخابز لا تريد أن تدخل في لعبة المزاودة. تقول بتواضع: "يوجد لدينا خبز مجاني لمن لا يستطيع شراءه". أصحابها لم يرفعوها للدعاية، بل من أجل مدّ يد العون الحقيقية لمحتاجين وعابري سبيل تقطعت بهم سبل وظروف وطرقات، وانفتحت أمامهم أفواه جوعى لا تجد ما تسدّ به الرمق، فأرادت أن تأمنهم على خبزهم اليومي بلا منّة أو تفضّل.
تلك عمّان التي أعرفها. عمّاني أنا دون أولئك الذين يشوّهون وجهها بـ"الولاء" أو بـ"المعارضة"، وخصوصا، دون أولئك الذين لا ينتمون، كما نظنّ، إلى أحد أولئك المعسكرين، بل إلى الجريمة التي تُلصق، غيلة، بمؤمنين خرجوا بوجوههم الحقيقية، هاتفين ضد ما رأوا فيه "تطاولا" على حقهم الشرعيّ في الوجود والحياة والحبّ والاختيار.
عمان أكثر من حزينة، تغصّ بدمعاتها الغاليات، وتشهق وهي ترى أبناءها يتنازعونها كما لم يتنازع أهل روما المدينة مع نيرون.
ليست حربا على أحد معيّن، بل هي علينا جميعنا.
حريق روما الكبير، بدأ من القاعدة الخشبية للسيرك الكبير، وشبّت النيران الهوجاء لتأكل أحياء المدينة العديدة. تلك روما البعيدة، فمن منّا يريد أن يكون نيرون الذي يراقب النيران مستمتعا، وهو يردد أشعار هوميروس؟
ومن منّا يريد أن يتمثّل فيه "السيرك" العبثي؟ وقبلها، مَن منّا يريد أن يراقب عمّان تحترق في صمتها بديلا عن خطايانا؟!
لا شيء في جعبتي، وأنا أراقب الأحداث في مدينتي، سوى كلام الشعراء. هكذا أفهم الحب بلا حدود، وهكذا أعلن الانتماء الحقيقي والمعارضة والموالاة.

m.malkawi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحمد لله على سلامة الأردن وسلامة عمان ! (نضال طعامنه)

    الأحد 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    عمان مدينة المحبة والسلام , صهرت في بوتقتها كل الأردنيين من أي مدينةٍ أو قرية أو باديةٍ جاءوا ؛ فطبعتهم بطابعها ووحدتهم على محبتها ومحبة أهلها الكرام الطيبون , عمان مدينةالجمال والدلال دائماً وأبداً ستبقى كذلك توحد الأردنيين وإن فرقتهم السياسة و يعودون يتراضون ويعودون ينسجون سيمفونية الحب والفرح العمانية . أخ "موفق حط ايديك في مي باردة " وعمان لن تعرف السيناريو الليبي والسوري ابداً لأن أهلها طيبون وتقوم علاقاتهم علىالمحبة التي هي أعظم رأس مال يميز الأردنيين , وعمان وسكناها أحسن من أي مال ؛ فدعونا لا نخسر ما هو أجمل وأثمن وأغلى وأنفس من أي مال , زادت المحروقات أم نقصت حب عمان وأهلها في ازدياد , ولن نرضى عنه بديلاً ، بدل نفدي أم غيره , ومن امتلأت رئتيه بهواء عمان يعرف كما يعرفه من سهر ليل عمان . كما تقول أغنية لشيرين عن مصر والنيل : " ما شربتش من نيلها " ؟ فهل شرب سياسيونا من مية عمان وسهروا ليلها وعاشوا لياليها ومن يشرب من بئر لا يرمي بها حجراً أيها الإخوة ! عمان ستبقى عاصمة الحب والجمال والطيبة ! عاصمة العرب ! عاصمة الوفاق والإتفاق للعرب فكيف لا تكون عاصمة الوفاق والإتفاق لأهلها الكرام وأبنائها الطيبون ؟ عمان ستوحد الأردنيين ثق بذلك يا موفق يا عاشق عمان !
  • »عمان قوية (اروى ملكاوي)

    الأحد 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    عمان حزينة محنوقة تشهق لكنها قوية باذن الله لا تلبث ان تقف على اقدامها مرة اخرى قوية بكم ايها الشرفاء، الفاسدون قلة لكن الطيبون الشرفاء هم كل اهل بلدي الكل يتاجر بقميص الثورة الموالي والمعارض والنتيجة ستكون ضياع البلد والاهل والمال وعمان
  • »الوطن أهم (Sahar)

    الأحد 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    جميل جداً ما قرأت اليوم أخ موفق.....لكن سيدي هناك "فئة ضالة " قد ملأ الحقد قلبها وأغفل عقولها عن الحقيقة المرة.....سيدي لا يوجد اي شخص بالاردن أي كان لا يريد محاكمة الفاسدين لكن بالمقابل لا يريد اي أردني غيور على هذا البلد ويفهم معنى الانتماء والولاء الحقيقي ويفهم باقتصاديات الوطن يريد أن يطيح بهذا البلد الى الهاوية، لا نريد المزاودة على أحد ولا التشكيك في وطنية أي شخص خرج صارخاً...لكن يكفي أن أقول هنا بأنني أنا وعائلتي يوماً ما فد تأثرنا وتضررنا في هذا البلد رغم أن أبي خدم 27 سنة في القوات المسلحة ومع كل ذلك .......الأردن أهم، وطني ووطنك أهم من كل الهردقات ومن كل الكلام العابث ومن كل الاسماء التي ذكرت ووضعت بمجموعة "الفاسدين" لان وقت الحقيقة وفي اللحظة الحاسمة كل تلك اللأسماء التي ذكرت في كافة لشعارات التي رفعها "المتظاهرون" لن تبقى في هذا البلد لحظة وسوف تآخذ "أموالها المسروقة" وتخرج من هذا الوطن الغالي وحينها لن يقع ويذوق الأمرين إلا نحن....كن واثقاً سيدي في كل ما ذكرت أنا ضد الفساد والفاسدين ...وضد من يحاول أن يعبث بتراب بلدي لانني حينها سأخرج عن صمت قاتل فجميع أبناء هذا البلد قد رضعوا الاخلاص والوفاء مع حليب أمهاتهم نشميات البلد اللواتي اقتسماً يوماً قطعة خبز مع أشقاء كثر كانوا بحاجتنا....لا تدوسوا وتخنقوا هذا البلد فقد إجعلوا لها منفذاً صغيراً لتعاود له الحياة مرة اخرى....فقط قليلاً من الوقت والاشتياق لتراب هذا البلد
  • »muna_sh1950@hotmail.com (اردنية)

    الأحد 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    ستظل عمان الغالية ستظل عاصمتنا الحبيبة ستظل عمان التي تشرق فيها الشمس كل صباح لتطل على جبالها واهلها تصبحهم بالخير - اما هؤلاء الحاقدين الذين تطاولوا عليها فعليهم لعنة الله - ان من احب عمان وكل المدن الاردنية لن يرضى لها ما حدث ولكن ماذا نقول للذين لا يخافون الله ولا يعطون الوطن حق قدره - هؤلاء الذين يتبجحون ليلا نهار هل هذا ما يريدونه دمار البلد منهم لله
  • »عمان تدمى بالدم (اااااااااه)

    الأحد 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    رااااااااائع، لأول مرة أكتشف أنك شاعر ياأستاز موفق، حمى الله عمان بواديها وقراها وريفها وصحراءها عمان تغص بالحب لأبنائها عمان يا حبيبتي