كيف العيش بلا "واسطة" ؟

تم نشره في الخميس 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً

كنت أستمع إلى خبر في إذاعة محلية عن "التوظيف بالواسطة" في أمانة عمان، أي بتجاوز الشروط الموضوعية، وتشغيل الناس على أساس الصداقة والعائلة. وقد ضبطت لجنة التحقيق تجاوزات كثيرة هناك. وبدا الخبر باعثاً على التفاعل: ها نحن أخيراً نجري تحقيقات في الفساد الإداري، ولا تخشى لجاننا في الحق سطوة مسؤول ولا لومة لائم. وإذن، لن يسرق أحد حقّ أبنائي في الوظيفة، فقط لأنه "مسنود" بعكسهم. ثمّ سرعان تداعت الشكوك:
هل يكون تحقيق "الأمانة" هذا مفتتح سُنّة حميدة؛ بداية لمشروع وطني مثلاً، يتعقب كل التنفيعات والتعيينات بالواسطة وإعمال كل شيء سوى الموضوعية والعدالة في الوظائف، من الأعمال الصغيرة إلى المناصب العليا؟ وإذا حصل، وجرى تصحيح الأوضاع ومحاسبة المسؤولين و"ترويح" الذين توظفوا بالواسطة، فكم مسؤولاً سيفلت من المحاسبة؟ وكم هم الذين سيبقون في أعمالهم ومناصبهم لأنهم شغلوها بغير واسطة؟
مذ وعينا، وجدنا "الواسطة" والمحسوبية دائماً جزءاً من طريقة حياتنا وثقافتنا في الأردن، بحيث بات يصعب تخيل البلد بلا واسطة. وبلا مبالغة، أصبح نصف البلد تقريباً يحتاج إلى وساطة نصف البلد الآخر، وبالتبادل، وفي الأمور الصغيرة والكبيرة. مثلاً، يحتاج المرء إلى واسطة "أهل الخير" إذا أراد تجاوز الطابور في الفرن، فيصاحب عاملاً يهرب له خبزه قبل الآخرين؛ ويحتاج "توصية" جار أو صديق إذا استدعي إلى مخفر وأراد أن يعامل بشيء من الحسنى، ولو كان غير مذنب بشيء؛ وهو يحتاج إلى صديق "واصل" إذا أراد تشغيل ابن له تخرج من الجامعة وأعياه العثور على وظيفة؛ وقد يحتاج إلى أحد يزكيه، حتى في موسم تشكيل الوزارات، فيصبح مرشحاً لوزارة.
وفي الأردن، الناس مقامات. فقبل فترة، اشترك فرد من عائلتي في حادث سير. وكان الانطباع الأول والمنطقي أن الطرف الآخر هو المتسبب في الحادث، وقد خرج من شارع فرعي إلى شارع تجاري كثير الحركة، فأصاب سيارتنا في جانبها وهي تصعد المرتقى، ووضعها في الجهة الأخرى من الشارع. وعندما وصلت المكان على إثر هاتف، وجدت الرجل يعتذر عن عدم انتباهه، وكان مهذباً جداً في الحقيقة. وعند قدوم شرطي السير، قدّم الرجل له نفسه: "الضابط فلان، طبيب في المدينة الطبية" (لم أقدم نفسي على أنني صحفي، وما شعرت بأن ذلك يُحدث فرقاً). وفوراً تغيّرت المعطيات. قال الشرطي للآخر ببالغ الاحترام: "ممكن رخصك سيدي؟"، وكتب "الكروكي" ضد سيارتنا. واستفسرت. قال إن هذا حادث على تقاطع متساوٍ، لأن الشارع الذي يبدو رئيسياً ليس كذلك، لأنه ليست فيه جزيرة وسطية. وهكذا يتساوى مع "الدخلة" الأخرى في الأولوية، ولو أنها تبدو شارعاً فرعياً. وبتطبيق قاعدة "الأولوية للذي على اليمين" يصبح حق المرور للضابط الطبيب الخارج من اليمين، حتى لو كانت السيارة "المضروبة" صاعدة والأولوية للصاعد. وقد استخدمت "حقي في الاعتراض" فلم أوقع الكروكي. فقال الشرطي: إصنع ما شئت!
وصنعت. سألت عارفاً بالهاتف، فقال إن الشرطي "نظرياً" على حق. إنّه يطبق حرفيّة القانون، ولذلك لم يقس على منطق الفارق الناصع بين الشارع الرئيس والفرعي، وإنما على منطق الفرق بين المواطن و"الضابط"، واستخدم فكرة "الجزيرة الوسطية". قلت: والعمل؟ قال: اذهب إلى دائرة السير ووقع الكروكي وخذ رخصك. قلت: "أتصدق أن الطبيب تفاجأ هو نفسه بنتيجة الكروكي، وكان مقتنعاً تماماً بأنه المخطئ؟". قال: "ربما تحتاج إلى واسطة ووجع رأس لإعادة رسم الكروكي، لكنني أرى المسألة لا تستأهل. أصلح سيارتك ويعوضك الله". وفعلت. ولِمَ لا؟ تغلبك سطوة الآخر هنا، وتتغلب على آخر بواسطتك هناك! وقد نفعتني الواسطة أنا نفسي مرات لا تُحصى، منها عندما أضاع مركز أمني بطاقة هويتي، وأعياني استخراج بطاقة بديلة أشهراً حتى وسّطتُ صديقاً يعرف مسؤولاً كبيراً في الجوازات!
يحتاج تغيير ثقافة "الواسطة" والمحسوبية إلى عمل طويل وصارم من تطبيق حكم القانون، والتساوي في حقوق المواطنة، وتحكيم معايير الكفاءة، وإلغاء الفارق بين "الخيار" و"الفقوس" فعلاً وقولاً. وبغير ذلك، سيصبح البلد كارثة على البعض بلا واسطة –حتى من الأكثر كفاءة- كما هو حاله بوجود الواسطة. وسيظل الكثيرون –غالباً- عاطلين عن العمل، "يربّون الأمل"!

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »راي مختلف (مواطن عادي)

    الخميس 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    الشرطي قام بتطبيق القانون حسب الكاتب و من خلال المخالفات التي حصلت لي لم اشاهد إلا كل الإحترام في التعامل من رقباء السير لهم كل الإحترام على جهودهم
  • »متلازمة الواسطة! (ماجدة)

    الخميس 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    المشكلة ان النصف ( بل أكثر من ذلك) يستخدم الواسطة تجاوزا للحق ، والنصف الآخر يستخدمها من أجل رفع تجاوز الآخر ، وهيهات بالطبع إذا كانت واسطة الأول أقوى من واسطة الثاني ، للأسف صار استحالة تخيل البلد دون ثقافة(!) الواسطة ، لا أنسى أبدا نظرة الدهشة والصدمة معا على وجه زميلتي المؤمنة تماما بالواسطة ( وقد حققت الكثير من الإمتيازات والمكاسب بسببها) من رفض زميلة أخرى (تتمتع فعلا بمستوى أخلاقي رفيع) من عرض واسطة لتخليصها من مسألة صغيرة كانت تسبب لها بعض الإزعاج.
  • »الثقافة (الطاهر)

    الخميس 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    غريب امر كاتبنا الذي يلوم شرطي المرور والذي حكم عليه بثقافة المحسوبية وهذه حدود الثقافة عنده واحترم الطبيب الضابط الذي كان على يقين بخطاه المروري وليس الطبي والمفروض ان هناك فرق بين المثقف والانسان العادي او ليست هذه صورة من صور المحسوبية يمارسها كاتبنا وهو لا يدري ثم انك تتحسر على تصليح سيارة فرضته عليك المحسوبية وكما قالو علقة تفوت ولا حد يموت....فما تقول بالذي ضاع عليه جهد اربعة سنوات جامعية حرقها ليبلغ التفوق الذي يحقق له امل حياته ليقتنص هذا الامل من هو في دفعته ليس له صلة بالجهد ولا بالتفوق ان هذه الثقافة كانت ولم تزل افتنا التي التي تحرق الاخضر واليابس في حياتنا ونحن نمارسها كمن يتولع بالسيجارة التي تحرق جسمه ويعشقها نحن بحاجة الى ارادة المدخن الذي يتحدى ذاته وكلنا مدخنون ونعشق السجائر .