هاني البدري

الأبواب المفتوحة والصدور المغلقة

تم نشره في الخميس 4 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 03:00 صباحاً

لم يتسنّ لي منذ أن عرفت الطريق إلى مؤسسة حكومية.. أن أتعرف عن قرب على ما يسميه الوزراء ورؤساؤهم تجملاً وادعاءً "سياسة الباب المفتوح".. الحقيقة أنني لم أر على مدى عمري باباً مفتوحاً.. رأيت أبواباً مُوصدة بخطوط دفاع متداخلة تبدأ من المراسل المتأهب للانقضاض على خطوتك الأولى، سائلاً عنك وعن سيرتك الذاتية و.. من أين أنت.."أردني".. "لا..لا.. أقصد من أين أنت أصلاً؟.."، ثم ما أن تنفذ حتى يواجهك جيش البطانة والعيون المصوبة إليك.. ماسحةً هيئتك طولاً وعرضاً.. لتنتهي بالمسؤولية الحقيقية في المكان.. وسيدة المكتب الخاص، السكرتيرة التي بيدها نجاتك أو هلاكك وفي عزمها مرورك إلى السيد المسؤول.. أو عودتك دون رجعة.
رأيت أبواباً موصدة أيضاً برغبة الوزير للانفراد بنفسه؛ فطبيعته الهادئة لا تأتي على هوا المراجعين والمتظلمين والشكائين.. وأبواباً لا تفتح أبداً إلاَّ من الداخل حيث لا مجال لـ(صوص ابن يومين) أن يدخل قبل أن تفرغ يدا المسؤول من شغلها، وحتى تتم كل الصفقات وأحاديث الهمس في أحوال الوزارة وشؤون المنصب ومنافعه..
رأيت أبواباً يعتقد أنها لدخول الوزير وهي فقط للإيحاء للآخرين أنه لم يأت بعد.. فيما هو داخل المكان يدير شؤون المنصب بعد أن دخل وخرج من باب آخر لا يعرفه إلاَّ سيدة المكان وبعض من أهل الدائرة المقربة..
ثم رأيت أبواباً مُقفلة إلاّ لمراجعين من فئة الخمس نجوم.. فيما الآخرون المنتظرون على جمر القلق والتمتمة بدعاء خفي بأن يوفق الله المساعي يعودون من حيث أتوا "فمعاليه طلب على عجل لدولته".. المشكلة أن دولة الرئيس يكون في تلك الأثناء قد غادر بابه الخلفي هو أيضاً.. حتى لا يأتي وجهه بوجه ذلك المستشار الثقيل الظل المعين من جهة ما.
رأيت أبواباً من كل الأنواع.. وعرفت تلك التي تُفتح إلكترونياً من الداخل لأمن السيد الوزير وأمان جلساته، والأخرى التي تشبه أبواب الفنادق فلا إمكانية لفتحها إلاّ من الداخل نظراً لطبيعة انشغاله، أبواب من كل الأصناف.. رأيت إلاّ تلك "الأبواب المفتوحة" التي يذكرها رؤساء الوزراء عادة في ردودهم على كتب التكليف "وسأعتمد يا سيدي في ادارتي سياسة الباب المفتوح لخدمة المواطن"..
حتى تلك الأبواب التي تُركل، من متنفذين يعرفون حجمهم مقارنة بحجم من يجلس وراءها، فيدخلون دون استئذان فيسرحون ويمرحون.. رأيتها وعرفت أن الدنيا الحقيقية ليست لكل الناس..؟
أعجبتني الخطوة الذكية من الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عندما زار مؤسسة حكومية، فوجد أبواب مسؤوليها موصدة أمام مطالب الناس وحاجاتهم، فما كان منه إلاَّ أن طلب نجاراً متخصصاً ليخلع كل الأبواب تاركاً الدنيا كما ينبغي أن تكون، مفتوحة لفضاء الحاجة والمظلمة..
تخيلت مع نفسي.. كيف سيكون الأمر لو استدعينا نجاري الأردن لخلع الأبواب الموصدة على أوهام أصحابها وفتح الدنيا على مصراعيها لنا نحن البسطاء..؟
تساءلت بجد.. هل سيغطي كل نجاري المملكة كل تلك الأبواب المغلقة، ثم عدت لرُشدي لأتذكر أن صدوراً قد أُغلقت وأقفلت بإتقان عن حاجات الناس ومطالبهم هي من تقف في وجوهنا وليست الأبواب..
ها هو مدير المستشفى الذي يخبر ابن المريضة الفقيرة بدم بارد، خذ والدتك لتموت في بيتها.. فأنت كفيل بها ولا استعداد لدي لنقلها بسيارة المستشفى فهي ليست لخدمة المنازل.. وهذا الوزير الذي يُهب في كل صحفي يتجرأ على إطلاق سؤال لا يرقى لهواه ولا يبدأ بصاحب المعالي، وذلك الوزير الذي ضاق صدره عن سماع مشاكل وزارته فخرج ولم يعد..
هي ليست الابواب.. واللهِ، لكنها الصدور التي ضاقت وأُقفِلتْ عن استيعاب ما يجري، فانطلقت أصوات المسؤولين بثقة لا أفهمها "الصحيح أن مواطننا يبالغ ويُكثر الشكوى..".
"الحق على المواطن".. فعلاً فهو لم يدرك بعد أن أبواب الوزراء والمسؤولين الموصدة بإحكام أرحم بكثير من تلك الصدور الضيقة التي لم تعد تحتمل شكوى المواطن ومظلمته وحتى أصغر مطالبه في العدالة والحياة..
إذا كان محمد بن راشد برؤية خاصة جداً قد كسر كل الأبواب المغلقة فمن يُحطم تلك الصدور في مكان آخر..؟.

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ثقافة السلبيةا التي نعيش (مقهور مثلك)

    الخميس 4 تشرين الأول / أكتوبر 2012.
    بارك الله فيك على هذا المقال استاذ هاني وليسلم قلمك وفكرك فقد وفيت وكفيت كما يقولون لكن هل من سامع نتمنى كلنا ان تبقى الابواب مفتوحة فعلا لا قولا وكذلك الصدور والنفوس والعقول ليعم الحب القلوب وازول البغضاء فيما بين الناس كبارا وصغارا وان يكون الناس كلهم سواسية يتمتعون بكامل حقوقهم ويتحملون كامل واجباتهم تجاه الوطن ياخذون بقدر ما يعطون بعدالة تشمل الجميع دون استثناءوهكذا لتستمر الحياة دون تنغيص ودون شعور بالقلق والخوف مما ستحمله صحاف الغدوبغير صفاء وانفتاح لن يكون هناك احساس بالراحة النفسيةولن تكون هناك حياة مستقرة بمعناها الحقيقي ونحن في هذا الزمان احوج ما نكون الى الراحة والاستقرار نفسيا واجتماعيا كي ننهض بمسؤولياتنا جميعا تجاه وطن نحبه ونحرص على امنه واستقراره وسلامته من كل سوء ومرة احييك على مقالك الرائع اخي هاني