الاعتراف بمركزية الغرب!

تم نشره في السبت 29 أيلول / سبتمبر 2012. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في السبت 29 أيلول / سبتمبر 2012. 02:22 مـساءً

لو أن بلداً هامشياً مثل نيبال هو الذي خرج منه الفيلم المسيء لرسولنا الأكرم، صلى الله عليه وسلم، لما قامت الدنيا وأُحرقت السفارات وكُسّرت الممتلكات، من قبل شعوب عربية ومسلمة عديدة، كما هو الحال مع خروج الإساءات من بلدان غربية، سواء رئيسة مثل الولايات المتحدة وفرنسا، أو ثانوية مثل الدنمارك. والمعنى أننا نعترف ضمنياً بمركزية الغرب في عالمنا، ونعتبر ما يصدر منه، هو تحديداً، سبباً لغضبنا إذا تعمد رسام كاريكاتير غربي مبتدئ إهانة ديننا، أو سبباً لفخرنا إذا قال مفكر غربي يوماً إن رسولنا هو أعظم قائد في البشرية!
إننا، في ردة فعلنا الغاضبة على فيلم واحد، نريد أن نجبر الغرب على أن يقول في أمرنا خيراً، لأننا نعترف بدون أن نقول، أن ما تقوله الحضارة الغربية المعاصرة هو الذي يجدر الانتباه إليه. ولو كان الأمر غير ذلك، أي لو كنّا نعتبر الغرب مجرد طرف في العالم كأي طرف آخر في الشرق أو في أفريقيا، وليس مركز العالم ومحوره، لرددنا على الفيلم المسيء بأن ننتج فيلماً يظهر عيوب الغرب، وينتقد عنصريته، بخاصة أننا نتوفر على قدرات مالية لا تنتهي.
لكننا ندرك أن فيلماً ننتجه نحن لا يمكن أن يكون له صدى وانتشار وأهمية فيلم ينتجه الغرب. ليس ذلك فقط، بل إننا نعرف أن ما يقوله إعلامنا، وما يقوله سياسيونا، وما يقوله كتّابنا، وما تقوله فضائياتنا، لا يمكن أن يحظى في نظر العالم بمثل تلك الأهمية والقيمة المعنوية التي يتمتع بها ما تقوله صحافة ألمانيا، وما يقوله رئيس لوكسمبورغ، وما يقوله كاتب قصصي هولندي مغمور، وما تقوله فضائية بريطانية متخصصة بالموسيقى. وهكذا، لا نجد طريقة للرد على إساءة الغرب إلا بأن نسعى إلى إجبار الغرب على سحب إساءته، ذلك أننا لا نملك سبيلاً للرد على الإساءة نفسها، ونزع الصدقية عنها.
والحال أن مشكلتنا ليس في أن يقول عنّا الآخر سوءاً، فذلك هو المتوقع ما دام عدواً بالمعنى الثقافي والحضاري. مشكلتنا الحقيقية هي في تأخر إنجازنا نهضتنا، وابتعادنا عن مسار التاريخ، واستلابنا المستمر للحضارة الغربية التي أبهرتنا منذ نزل الاستعمار العسكري الأوروبي بلادنا في القرن التاسع عشر، فصار "كل فرنجي برنجي" من يومها، نسعى في تقليده، أو نحرص على مخالفته: عليه الفعل، وعلينا رد الفعل! عليه أن يبادر، وعلينا أن نكون إما معه أو ضده!
هل نريد أن نؤدب الغرب على ممارساته الاستعمارية والإمبريالية، وعلى إساءاته لديننا ونبينا؟ لنعمل إذن على الخروج من مركزية الغرب، ولنتعامل معه كما يتعامل الأنداد: كما فعلت الصين والهند، وكما فهمت اليابان وكوريا. لقد أخذت هذه الأمم المبادرة بيدها، وبنت واقعها الاقتصادي والاجتماعي الجديد، الذي انعكس إيجابياً على ثقافة شعوبها، وانتقل بها إلى مكانة سياسية أفضل، فصار لها "مكان تحت الشمس"، وباتت في دائرة الفعل في التاريخ المعاصر.
ما نزال نحن محصورين في دائرة رد الفعل، يستفزنا كل فعل غربي مشين حتى لو كان صغيراً. رغم ذلك، فإن علينا أن نستبشر خيراً بما جرى في بلدان عربية رئيسة وكبيرة في السنتين الأخيرتين. يحتاج الأمر وقتاً، وسنعود قريباً إلى سكة التاريخ، ونخرج من استلابنا للغرب المستمر منذ قرنين كاملين، ونرد على الغرب لا بالحرق والتكسير والقتل، وإنما بأن ننجز نهضتنا الحضارية، ونكون رقماً مؤثراً في هذا العالم الذي لا مكان فيه لغير الكبار.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رد فعل العاجز (محمد منير)

    السبت 29 أيلول / سبتمبر 2012.
    للاسف يا صديقي، ما نراه من ردود فعل إنما هي تصرفات العاجز، وهذا بالضبط هو حالنا... والمشكلة أننا نريد أن (نجير) انجازات الغرب وتفوقهم لصالحنا ولصالح معتقداتنا وقضايانا ونحن نائمين بينما هم مازالوا ومنذ ثلاثمائة سنة أو يزيد يخططون ويكدون ويجتهدون حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه... لفت انتباهي مؤخرا، الحملة الشعواء على نادي برشلونة الاسباني لأنه وافق على استضافة شاليط لحضور مباراة ما في ملعبهم... هل بلغ بنا العجز أن نأمل من فريق رياضي في اسبانيا أن يتبنى قضايانا، وأن يحمل السلاح في مقارعة أعدائنا الصهاينة عوضا عنا؟؟؟!!!