د.أحمد جميل عزم

"بلديات" الضفة ومواجهة الاحتلال

تم نشره في الثلاثاء 25 أيلول / سبتمبر 2012. 02:00 صباحاً

تحدثت فتاة، قبل أيام، على إحدى الإذاعات الفلسطينية، مقدّمة سيرة نشاطها في لجان "فتح" الحركية، والهيئات الشعبية والنقابية، لتبرهن على جدارتها لتكون مرشحة في الانتخابات البلدية، ولتقول إنها كانت بالفعل كذلك، حتى تم سحب اسمها في اللحظات الأخيرة. أحد المسؤولين في "فتح" رد أنّ "الأخت" قد تكون أنشط شخص في منطقتها، وتستحق الترشيح، ولكن التوازنات العائلية والتسويات بين العائلات ربما فرضت اختيار ممثل آخر لعائلتها (قد يكون رجلا مثلا، كما قال)، في قائمة التوافق الفتحاوي-العائلي.
قبل 40 عاما (العام 1972)، كما توضح دراسة أعدّها مركز "أريج" في القدس العام 2007، بعنوان "40 عاما من الاحتلال الإسرائيلي"، استُدعي في إحدى الأمسيات ثلاثة رجال في نابلس، هم رئيس البلدية معزوز المصري، والرئيس السابق للبرلمان الأردني حكمت المصري، وحافظ طوقان رئيس غرفة التجارة. وكما هو معروف، يمثل الثلاثة عائلتين كبيرتين في نابلس. ونُقل الثلاثة بطائرة هيليكوبتر إلى "بيت إيل"، المستوطنة التي تُدار منها الضفة الغربية، حيث كان في انتظارهم وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه دايان، وكبار ضباط الجيش، وهددوهم بأنّه لا بد من المشاركة في الانتخابات البلدية، وإلا فإنّ إجراءات عقابية عديدة ستتخذ. فُرضت الانتخابات، وتمت برفض أردني رسمي وبرفض منظمة التحرير الفلسطينية، وبمشاركة شعبية محدودة، لأنها انتخابات تحت الاحتلال. وبسبب الخوف من أن تؤدي إلى إنتاج قيادة بديلة تصبح شريكا للإسرائيليين.
ردا على الانتخابات البلدية، أقر المجلس الوطني الفلسطيني، المنعقد في القاهرة العام 1973، تأسيس الجبهة الوطنية الفلسطينية، لتكون قيادة محلية وطنية تمثل فصائل منظمة التحرير ونقابات وهيئات نسائية. وكان هدف الجبهة المعلن المقاومة اللاعنفية لإسرائيل، وبناء مؤسسات وطنية فلسطينية مستقلة.
عندما أُجريت انتخابات العام 1977 البلدية، قررت منظمة التحرير المشاركة في الانتخابات، مستغلة قوتها وشعبيتها المتزايدة. وكانت إسرائيل تتوقع أن تنتج الانتخابات قيادة متصالحة مع فكرة الاحتلال. وجاءت الانتخابات بمؤيدي منظمة التحرير. فقامت إسرائيل بإبعاد مرشحين قبل الانتخابات بأيام. وبقيادة وزير الدفاع شمعون بيريس، بدأ عقاب البلديات، بعرقلة مصالح الفائزين بالانتخابات وأقاربهم، ومنعهم من ممارسة مهامهم برفض تصاريح البناء، ومشاريع الانشاءات والخدمات، وتقليص الميزانيات المدفوعة إسرائيليا، بنسب تزيد على 75 %.
في الأثناء، نشط المستوطنون ونظموا أنفسهم في جماعات سميت "إرهاب ضد الإرهاب"، وبدأوا يهاجمون الفلسطينيين. وتولى رؤساء البلديات، بسام الشكعة، وفهد القواسمي، ومحمد ملحم، وكريم خلف، دورا أساسيا في المقاومة اللاعنفية ضد الاستيطان. رفض الشكعة ربط نظام مياه نابلس بالشبكة الإسرائيلية، فردت إسرائيل بسجنه نهاية العام 1979، وإعلان عزمها إبعاده لاحقا. واستقال المجلس البلدي، وأضربت نابلس. وفي أيّار (مايو) 1980، أُبعد ملحم والقواسمي. وفي الشهر التالي وقعت محاولات اغتيال بتفجير عدد من رؤساء البلديات، تركت الشكعة وخلف معاقَين.
ينسى الذين يقللون من أهمية البلديات، أنّ الفلسطيني إنسان، يحتاج ماء، وكهرباء، ومجاري، ومدارس، وشوارع، ومكافحة البعوض، ومن يجمع القمامة.. إلخ، وهذه لا تتأجل حتى نهاية الاحتلال، ولا يقوم بها الاحتلال. والاعتماد على التعيين مدخل أكبر للفساد والترهل والصّراعات الداخلية. في الوقت نفسه، يُقدّم التاريخ أمثلة على أنّ البلديات قد تكون جزءا من مواجهة، كما قد تكون جزءا من مخطط لتطبيع الاحتلال.
التعامل مع العائلات والتوازنات العشائرية ليس أمرا جديدا في الثورة الفلسطينية. وحتى عندما كان رؤساء البلديات عنوانا للمقاومة في السبعينيات، كانوا يمثلون هذه التركيبة، لكن الغرق في توازنات العائلات مدخلا للانتخابات البلدية، بدلا من مقاومة الاحتلال، مؤشرٌ على تعمّق غياب حالة ثورية أو نضالية، تجعل مواجهة الاحتلال هي الأساس.
من المهم النظر إلى أي خطوة، كالانتخابات البلدية، في سياق مواجهة الاحتلال؛ فالبلديات يمكن أن تكون لجانا وقوى شعبية مقاوِمة للاحتلال، ويمكن أن تكون تكريسا لحالة الجمود والبيروقراطية، وتعبيرا عن حسابات مراكز القوى وصراعات الفصائل. ويمكن أن تكون مشروعا لانتزاع السلطة من الاحتلال، أو أن تكون مشروعا فاشلا لبناء دولة تحت الاحتلال. والفصائل والقوى الوطنية مطالبة دائما ببدائل، فمثلا أين هي الخطط البديلة عن البلديات؟ وأين اللجان التي تتولى المواجهة المدنية للاحتلال؟

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق