توجهات الشبان اليهود

تم نشره في السبت 25 آب / أغسطس 2012. 03:00 صباحاً

نشر، قبل أيام قليلة، استطلاع أجراه معهد تابع لجامعة تل أبيب، لآراء طلبة الصف الثاني عشر اليهود من سلسلة قضايا تعكس توجهاتهم السياسية، بما في ذلك جاهزيتهم لتبني آراء عنصرية. وعلى الرغم من ظهور ميل واضح لليمين، إلا أن نتائج الاستطلاع جاءت نوعا ما مفاجئة. وبحذر شديد، فبالإمكان القول إن هناك تراجعا نسبيا عن استطلاعات سابقة من حيث مدى استفحال العنصرية، كما يعكس الاستطلاع حالة الاستقطاب داخل هذا المجتمع.
جاء نشر الاستطلاع في أسبوع وقع فيه اعتداء إرهابي جماعي من عشرات الشبان والشابات اليهود على شاب فلسطيني في القدس المحتلة، وكاد الاعتداء يودي بحياته. وكشفت التحقيقات مدى شراسة العنصرية المتأصلة في نفوس هؤلاء الذين تربوا في أوكار الكراهية والعنصرية المنتشرة بشكل خاص في القدس ومستوطنات الضفة الغربية المحتلة.
والعنوان الأبرز الذي اختارته صحيفة "هآرتس" لمعطيات الاستطلاع، هو أن 55 % من المستطلعين أعلنوا رفضهم السكن بجوار عرب، مقابل 45 % لم يرفضوا الفكرة. وعلى الرغم من ذلك، فإن نسبة الرافضين كانت أقل مما ظهر في استطلاعات سابقة.
ولكن اللافت في هذا الاستطلاع كان الرد على الأسئلة المتعلقة بمستقبل خدمة المستطلعة آراؤهم في جيش الاحتلال، ضمن الخدمة الإلزامية. والسؤال الأهم من ناحيتنا الذي كان غائبا أو مُغيّبا عن الاستطلاع، أو عما نشر عنه، هو مدى استعداد هؤلاء لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية. ولكن في المقابل، بالإمكان تلمس قاعدة ليست قليلة ترفض المهمة الأولى لهذا الجيش، وهي استمرار الاحتلال والحفاظ عليه.
ففي هذا الاستطلاع، يجاهر 19 % من المستطلعين برفضهم الخدمة في المناطق المحتلة منذ العام 1967، وهي نسبة ليست قليلة في ظل الأجواء القائمة في إسرائيل، ولا نذكر نسبة شبيهة لها نشرت في السنوات الأخيرة، آخذين بعين الاعتبار أن هناك من لديه الموقف ذاته ولكنه لم يجاهر به. ويتعزز هذا الاستنتاج حينما نقرأ أن 35 % آخرين من المستطلعين قالوا إنهم لن يرفضوا الخدمة في المناطق المحتلة، ولكن إذا ما خيّروا فإنهم لن يختاروا الخدمة هناك.
ويوضح الاستطلاع ذاته أن 55 % من الشبان من التيار "الديني القومي" الذين شملهم الاستطلاع قالوا إنهم سيخدمون برغبتهم في المناطق المحتلة. وهذه النسبة أيضا ليست كبيرة، لأن هذا التيار هو المسيطر على عصابات المستوطنين، في حين أن هذه النسبة تهبط إلى 26 % بين العلمانيين.
ويضاف إلى هذا أن 60 % من جميع المستطلعين أعلنوا أنهم سيرفضون الخدمة في وحدات قتالية، وهذه أيضا نسبة مرتفعة عن استطلاعات سابقة.
كما نلمس في هذا الاستطلاع حالتي استقطاب وتخبط سياسيين ليستا قليلتين. فردا على سؤال لمن ستصوت؛ حصلت كتلتا عصابات المستوطنين والمتدينين القوميين على نسبة 12 %، وهي ضعف نسبة هاتين الكتلتين في الانتخابات البرلمانية السابقة. ولكن في المقابل، فإن كتل اليسار الصهيوني والوسط القريب منها، حصلت على نسب أقل، ولكن أكثر من نتيجتها في الانتخابات السابقة. بينما رأينا أن 38 % من المستطلعين لم يحسموا موقفهم، رغم أن هذه الشريحة المستطلعة ستصوت في الانتخابات البرلمانية المقبلة لأول مرّة.
بطبيعة الحال، لا يمكن استخلاص النتائج من خلال استطلاع واحد. ولكن، إذ أخذنا بعين الاعتبار أن الاستطلاع أجراه معهد تابع لجامعة تل أبيب، وليس جهة سياسية أو حكومية ذات توجهات مسبقة، فإن الاستطلاع يعكس توجهات لدى الأجيال الناشئة في المجتمع اليهودي الإسرائيلي.
الأمر الأبرز الذي يثبته الاستطلاع، هو ما تحدثت عنه تقارير بحثية سابقة ظهرت في الفترة الأخيرة، وهو اتساع حالة الاستقطاب باستمرار في إسرائيل بين جمهورين، الأول "ديني قومي" متشدد سياسيا وعنصريا إلى أقصى الحدود، ويتركز بالأساس في مستوطنات الضفة الغربية والقدس، ونسبة تكاثره كبيرة بفعل الولادة المتزايدة. والجمهور الثاني شبابي علماني، يبحث أكثر عن الحياة الطبيعية الهادئة التي لا توفرها له سياسات الحكومات المتعاقبة والخدمة العسكرية الإلزامية؛ وهذا الجمهور يتركز أساسا في منطقة تل أبيب الكبرى، التي هي مركز استقطاب أساسي لهذا الجمهور، والذي نسبة تكاثره ضئيلة جدا، بل إنها تتراجع من مجمل السكان بفعل نسب الولادة الضئيلة.
وهذه الحالة ستعمق أكثر في السنوات المقبلة حالة الاستقطاب التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي منذ سنوات.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

التعليق