هاني البدري

تأبط بسطة

تم نشره في الخميس 9 آب / أغسطس 2012. 03:00 صباحاً

على مرأى من الجميع، تُنتهك كل القوانين جهاراً نهاراً، وكأن العالم دار بنا عائداً إلى زمن الغاب، حيث لا قانون ولا حسيب أو رقيب، إلا بما استطعت إليه سبيلا.
على مرأى العديد من أجهزة ومؤسسات الدولة، وعلى عينك يا تاجر تُنتهك التعليمات المشددة والقرارات اللولبية وتُفرض قيمُ البلطجة و(الخاوة) وتنتعش علاقات المصالح على قاعدة البقاء للأقوى، ولا كبير هنا إلا ذراعي وخنجري وقلبي الميت.
اعتقدت أنني في رمضان سأخرج بتجربة إذاعية تُضفي روح الشهر الفضيل نكهتها عليها، وإذ بي أصطدم بأكبر حجم من السلوكيات والانتهاكات لكل ما اتصل بالشهر الفضيل وقدسيته، وهنا لا أعرض لظاهرة المجاهرة بالإفطار والإسراف بتناول الأطعمة (والأشربة) في الأماكن العامة وفي السيارات وعلى قوارع الطرق وفي المؤسسات والشركات والدوائر الحكومية والخاصة، فهذه لها من يعرض لحرمتها فقهاً وتناولا علمياً دقيقاً.
أتحدث هنا عن بعض المواطنين المُتحفزين دوماً لكسر القانون، وفرض ملكيتهم الخاصة على ممتلكات ومرافق عامة، أتكلم عن حضارة وضع اليد التي اندثرت تماماً في عالم أصبح فيه القانون سيد العلاقات ومسطرةَ الحريات والحد الجلي لحقوق وواجبات وملكيات كل مواطن وانضباطه.
على مقربة من مراكز الشرطة في غير مكان بعمان، يفترش العشرات من أصحاب بعض البسطات بسطاتهم علناً، وأمام المحال والمعارض، يأكلون رصيف المشاة، تكاد تحبس أنفاسك لكي تمر عبر هذه الأكوام المكدسة من البضائع على كل لون، شرعية أو مُهربة، قانونية أو ممنوعة، صالحة أو نافقة، حقيقية أو شبيهة، ليس مهماً، الحقيقة أن أمراً واقعاً قد فُرض على شوارعنا ولا آذان صاغية من أحد.
آلاف البسطات تُغلق شوارع بكاملها وأرصفة رئيسية في وسط البلد وجبل الحسين والبيادر، تبيع الأسلحة البيضاء والمفرقعات والمهربات والبضائع المغشوشة علناً. فيما مؤسسات الدولة المعنية بإعادة هيبتها وقانونها تبرر غيابها بالأمن، وبأن أصحاب بعض البسطات لا يتوانون عن الاعتداء على موظفيها طعناً أو ضرباً، وكأن قوانين الدولة كلها تتوقف هنا.
أغرب ما في المشهد أن غياب الأمانة ومؤسسات الدولة المعنية، يُعطي كل يوم جرعةً أكبر لأولئك النافذين العابثين بمُلكية الناس والدولة، فتراهم يتبجحون بتحدي أي جهة الاقتراب منهم أو من قطعة من بسطاتهم.
أصبح لمواقع البسطات في عمان أثمان وقيم سعرية تزيد بأهمية المكان, بعضها يتقاضى (الخلو) والأخرى تكبر وتنتعش وتضرب جذوراً وأوتاداً في الأرض، بل وتنعم بعضها بخدمات الماء والكهرباء.
يمر موظف الدولة نفسه في طريقه لاحتساب مخالفة أحد المحال في وسط البلد، فيُلقي السلام على البسطة المجاورة ويدخل، يؤدي مهمته ويخرج، وهو يعلم أن من حرك شكوى ضد هذا التاجر هو ذلك الذي يتأبط بسطةً عند واجهة المحل.
سادتي الكرام.. الحكومة تقول إنها تمنع دخول والمتاجرة بالمفرقعات، وموظفوها يمرون كل يوم عن البسطات الممنوعة التي تبيع بضائع ممنوعة في أماكن ممنوعة يلقون السلام. ويمرون بسلام وهيبتهم بكامل أوجها.

 hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صاحب بسطة (فرفوش)

    الجمعة 10 آب / أغسطس 2012.
    حسبنا الله نحن اصحاب البسطات ونعم الوكيل في اصحاب المحلات يكفي انهم يعيشون تحت المكيفات مستخسرين فينا رصيف بدون تكييف .....
  • »البسطات (نادر)

    الجمعة 10 آب / أغسطس 2012.
    ثم يأتي موظف المواصفات للمحل التجاري ويبحث عن الاخطاء في أدق الثنايا وفي الزوايا وتحت الرفوف وكأنها كبسية وكأننا في نظام يتبع المعايير الاوروبية فأين العدالة وحماية دافع الضريبة. ثم يأتي موظف الضريبة بكبسية ليدقق الكاش ويعتبرك حرامي من الدرجة الاولى. فعلا هذا زمن يكذب فيه الصادق ويخون فيه الأمين ويظهر فيه الرجل الذي يتحكم في أمور العامة
  • »ماذا تبقى (عماد الفياض)

    الخميس 9 آب / أغسطس 2012.
    تأبط شراً..كلهم متأبطون شرا وكلهم غير ابهين لا بقانون ولا بدلة الحقيقة ان المواطن فوق كل ما خسر على امتداد حياته وعلى كل ما صبر بقلة حيلة وصمت واحترام للقانون ومشي ملازم دائم لجنب الحيط جاء الوقت الذي يخسر فيه هذا المواطن رصيفه وشارعه وصفو اي مساحة يمكن ان يعبرها بهدوء وباحترام برفقة بنته او زوجته لم يتبقى لدينا شيء حتى الرصيف فقدناه ماذا بعد
  • »حجر كبيييير في مياه راكدة (ميس ابو حمد)

    الخميس 9 آب / أغسطس 2012.
    بخفة الدم التي نعهدها بالاستاذ هاني البدري على برنامجه نرى ان ما يطرحه اليوم في مقاله بالغد هو في ثلب ازمة هيبة الدولة وتخبط مؤسساتها امام استقواء الناس في كافة مواقعهم اشكر عمق المقال واتمنى ان يكون حجرا بحجم (بسطة) يلقى في مياه الدولة الراكدة تحياتي للكاتب الرائع هاني البدري وللغد ولكل من يعمل لاعادة هيبة مؤسسات الدولة
  • »شاعر عظيم (امجد ابوعوض)

    الخميس 9 آب / أغسطس 2012.
    تأبط بسطه شاعر من العصر الجاهلي الحديث وهو اول من ابتكر الشعر المسمى (شعر الاعضاء التناسليه) في شتم الناس عن طريق انتهاك اعراضهم لفظا , ما نعيشه اليوم سيد هاني هو علامات فشل الدوله حيث القطاع الخاص محاصر بالضرائب مما جعله غير قادر على توفير فرص عمل تناسب البشر الاسوياء مما حولهم الى متأبطي بسطات غير اسوياء لا يفهمون شيئا عن الذوق فكيف سيفهمون مقدار ذره عن القانون وقدسيته , الحمد لله امورنا ماشيه وبسرعه ملحوظه في اتجاه عصر ما قبل الدوله ومن لا تعجبه البلد فليغادرها وهذا ما سافعله،،