رنا الصبّاغ

ماذا ستذكر كتب التاريخ عن خديعة "الربيع الأردني"؟

تم نشره في الأربعاء 25 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً

الآن، وصلت وعود الإصلاح السياسي إلى طريق مسدودة مع صدور الإرادة الملكية بإقرار تعديلات البرلمان الباهتة على قانون الانتخاب بنسخته الثانية في أقل من شهر، ما حفّز أحزاب معارضة وقوى مجتمعية وشبابية واسعة على مقاطعة التصويت على أساس نظام الصوت الواحد المطبق منذ عقدين.
وبذلك، يدخل الأردن في مأزق القانون المتخلف تحت سيف الوقت، في ظل التعهد بإجراء انتخابات قبل نهاية العام، يفترض أن تشكّل منعطفا تاريخيا فارقا وطارئا. على أن المؤشرات الإقليمية والمحلية الضاغطة تشي باحتمالات فشل الدولة في هذا الامتحان، ما قد يفتح الباب أمام فوضى سياسية وأمنية، لطالما سعى "عقلاء" البلد إلى تجنبها.
فالأحداث المتسارعة في سورية، ترفع احتمالات توريط الأردن -المجهد ماليا واقتصاديا- في دور غير مرغوب فيه لكنه مصيري، معطوفا على ذلك جمود مسار السلام في الشرق الأوسط وانسداد أفق إقامة دولة فلسطينية، خصوصا بعد التغيير الأخير في الحكومة الإسرائيلية. وفي الأثناء، تتناسل التحديات الاقتصادية، والمالية، والاجتماعية، وترتفع مناسيب الاحتقان والقلق الشعبيين والعنف المجتمعي، مع تراجع هيبة الدولة وسيادتها.
نهاية غير سعيدة بالتأكيد لأنموذج الإصلاح مع اشتعال ثورات الربيع العربي، لنكتشف اليوم أن غالبية الوعود المعسولة كانت بهدف شراء الوقت، لحين انجلاء تداعيات التغيير في المنطقة، واستشعار موقف أميركا وسائر الغرب من ملف التحديث السياسي؛ إذ لم ينحز في النهاية للشعب امانيه في الديمقراطية، والمساواة، ووقف نهب المال العام، ولم يمهد لتشكيل أولى الحكومات البرلمانية الصرفة منذ العام 1956. كما أخفق في التأسيس لمرحلة توافقية من العمل السياسي، تعيد "البريستيج" للحكومة والبرلمان والقضاء، ولم يبدد أزمة إدارة الدولة بمفاصلها كافة، أو يؤسس لأردن ديمقراطي تقدمي قائم على أسس دولة المواطنة والعدالة والكفاءة. وفي نهاية اللعبة، لم تؤد الجهود والوعود الوردية إلى فصل التداخل بين السلطات، أو زعزعة منظومة الفساد والمفدسين. وما انفك الشارع يغلي.
باختصار، بان للعديد من المشكّكين لسنوات أن مواقفهم كانت صائبة، وإن تعرضوا للإقصاء والشيطنة، وأحيانا التوقيف أو السجن. فالواضح اليوم غياب نوايا حقيقية للإصلاح، أو الرغبة في حفز المشاركة في المعادلة السياسية، وتفصيل ملعب سياسي يتسع لكل من يعمل ضمن القانون والدستور، وليس حصره بأعضاء حزب الدولة والأجهزة الرسمية، بينما سائر الشعب "بلمّوا طابات".
مقابل هذه القراءة المتشائمة، يراهن ساسة ورجال دولة على سيناريوهات مفاجئة، قد يلجأ الملك إليها لإخراج الأردن من هذه الورطة السياسية؛ مثل تأجيل الانتخابات، أو حل مجلس الأمّة وإقالة حكومة فايز الطراونة والإتيان بحكومة ائتلافية مهمتها الأساسية إصدار قانون انتخاب توافقي (مؤقت)، أو إدراج القانون مجددا ضمن الدورة الاستثنائية الثانية المرتقبة لمجلس الأمة لبحث تعديلات جوهرية فيه للمرة الثالثة.
بالطبع، جميع السيناريوهات ممكنة، وإن بنسب متفاوتة، في ظل حكومة مطواعة وإعلام مرعوب  وبرلمان موجّه، بغض النظر عن كلفة ذلك نتيجة تدمير ما بقي من مصداقية لمؤسسات الدولة الرسمية.
يعرف العقل السياسي الأمني أن بإمكانه سرعة اللجوء إلى "جماعة الكبسة السريعة" ممن تنتظر إشارة لتبرير مخارج دستورية كفيلة "بشرعنة" أي قرار قد يتخذ. أما الواقعيون، فلا يرون أي بوادر تشي بإمكانية حصول انعطافة سريعة تقود الأردن تدريجيا مرة أخرى إلى سكّة واضحة، قادرة على تبديل أجواء القلق المنذر بنهايات عنيفة، أو الوصول إلى نقاط التقاء مع القوى التي قررت مقاطعة الانتخابات، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين، والجبهة الوطنية للإصلاح برئاسة رئيس الوزراء الأسبق أحمد عبيدات.
ذلك أن المتحكم في مفاصل صناعة القرار لا يريد أن يظهر في موقف الطرف الأضعف الذي يرضخ للابتزاز. ولا تهديدات حقيقية. نصف المجتمع المقسوم لا يريد توسيع قاعدة المشاركة الشعبية أصلا، والحراك والأحزاب غير قادرة على تأطير مرجعية فكرية تشد الغالبية الصامتة أو تشق طريقا ثالثة. والدول المانحة تقدّر موقع الأردن الجيوسياسي وتنشد لحليفها الرئيس الأمن والاستقرار وسط حرائق في إقليم يتغير بسرعة، وهي لن تغسل يديها من الأردن في حال لم يسرع الإصلاحات السياسية.
النهج يقوم على الخوف والتخويف واللعب على انقسامات المجتمع، مدعوما بجهاز بيروقراطي تقليدي محافظ. العقل السياسي الأمني لا يريد فتح ملفات الفساد والإفساد الحقيقية لأنها مغامرة غير محسومة النتائج، ستطال شراراتها المصداقية السياسية والأخلاقية لكبار رجال الحكم.
بعد كل هذه النهايات غير السارة، ماذا سيدون المؤرخون مستقبلا لدى توثيق نسخة الربيع الأردني؟ فمن يفكر بمراجعة أرشيف مؤسسات الإعلام الرسمي وشبه الرسمي وحتى الخاص، والتي كتبت النسخة الأولى من تاريخ الأحدات، سيتحف بسكوتها أو تركيزها على نصف الكأس الممتلئ. لن يقرأ إلا عن المعارضة المشيطنة. ومن سيقابل الشخصيات السياسية التي تتحكم حاليا بمفاصل القرار، سيسمع ذات الإسطوانة المشروخة. ويوميا تخرج علينا أخبار مضللة، فاقدة للحرفية المهنية، تجتر كالببغاء ما يقوله المسؤولون ولا تخشى من تغيير الموقف  180 درجة في حال تغيّر موقف الطرف الذي يحركها. سيقع المؤرخون على "مانشيتات": "مقاطعة الانتخابات لا تخدم الإصلاح"؛ "المشاركة في الانتخابات واجب وطني". كما تتحدث عن "تحولات تؤسس لمرحلة جديدة مشرّفة من تاريخ المملكة بما فيها زيادة عدد مقاعد القائمة الوطنية من 17 الى 27 مقعداً، وتكليف هيئة مستقلة بالإشراف على الانتخابات، وتعديلات دستورية تؤكد تجاوب النظام مع المتغيرات السياسية منذ أكثر من عام ونصف العام". وتحذر ماكنة الدعاية الإعلامية من أن المقاطعة ستحرم الكفاءات من الوصول إلى المجلس النيابي، وتصر على أن أكثر من 60 % من الأردنيين يريدون بقاء الصوت الواحد، بحسب استطلاعات رأي، وأن محاولة الإسلاميين وغيرهم ابتزاز النظام عملية مرفوضة.
لكن الرواية مختلفة من منظور الجانب الآخر.
فقانون الانتخاب لن يحسن المخرجات النيابية. وغالبية من سيفوزون معروفون مسبقا: قوى تقليدية غير مسيسة تفكر فقط في خدمة الحارات والعائلة على حساب مصلحة الوطن ومستقبله. شعور بصدمة من التعنت غير المفهوم لضمان بقاء جبهة داخلية غير موحدة في زمن التغيير المتسارع. تراجع صارخ عن وعود الإصلاح السياسي التي سيقت في بداية الربيع وعن مخرجات لجنة الحوار الوطني ونصائح مئات الشخصيات السياسية والنقابية التي استمع اليها المسؤولون. الوضع في البلاد ليس مريحا ولا مطمئنا. غالبية من يتحكمون بمراكز اتخاذ القرار لا يتصرفون كمن يخشى على مستقبل الأردن، ولا يبادرون إلى قطع الطريق على أسوأ سيناريوهات تقرع أبواب الأردن شمالا وغربا.
ويستمر صناع القرار في التصرف وكأن الدنيا قمرة وربيع.
في الأثناء، تحصد البلاد والعباد ثمار فشل سياسة الخطوة إلى الأمام وعشر خطوات إلى الخلف فيما يتعلق بتسريع الإصلاحات السياسية ومحاولة امتصاص الأزمات المتناسلة رغم الهدوء النسبي في الشارع وتبييض ملفات الفساد.
والسؤال الأكثر ترديدا اليوم بين كل من يمتلك نصف عقل: إلى أين يتجه الأردن وسط الاحتقانات الناجمة عن الإجهاز على عملية التحول صوب الديمقراطية بينما يتغير العالم من حولنا؟
عسى أن يستجاب لدعاء أحمد عبيدات قبل أيام وتستفيق غدة النظام السياسي.

rana.sabbagh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عوامل صناعة التغيير (علاء محمد)

    الأربعاء 25 تموز / يوليو 2012.
    اعتقد ان هناك عوامل اساسية ينبغي التدقيق فيها لفهم الامور :
    الاول ان هناك وضع عربي غير مسبوق لجهة تفكك المفاهيم (وربما الهويات) التقليدية مما يفتح الباب على مصراعيه للفوضى ، والثاني ان الاردن تاريخيا كان حليفا اساسيا للامريكيين والغرب لدرجة الارتهان شبه الكامل ، والثالث ان ادارة البلد خلال عقود رسخت مفاهيم الدولة "البلدية" وليس الدولة "الوطن" .
    تلك العناصر مجتمعة (فوضى الاقليم – الارتهان للغرب – سوء الادارة) هي بالضبط الارضية الطبيعية والمطلوبة لاعادة التشكيل.
  • »استعادة الكرامة والممتلكات (الفرد عصفور)

    الأربعاء 25 تموز / يوليو 2012.
    لا يزال هناك متسع من الوقت للانقاذ. الامر لا يتطلب اكثر من حزمة قرارات جريئة تعيد للمواطن كرامته وتعيد للوطن ممتلكاته المسروقة والمباعة.

    ليست الانتخابات هي القضية وليست الحريات السياسية وحدها هي ما يطالب به الاردنيون.

    المطلوب الان قبل الانتخابات وقبل الحريات استعادة الاملاك والموارد المنهوبة والمباعة. الاستعادة ممكنة اذا ما تم تاميم كل الممتلكات والمؤسسات التي تم بيعها وتجزئتها على شكل اسهم تباع للمواطنين في سوق عمان المالي. ويكون للخزينة والصناديق الوطنية حصة كبيرة في تلك الاسهم.