هاني البدري

استفيدوا من خصومات "احجز قبرك"!

تم نشره في الخميس 12 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً

ثلاثة، اثنان، واحد، أكشن..
بدأت الكاميرا بالدوران
المذيع: معالي الوزير، كيف ترى خطط الوزارة في التطوير؟
الوزير: (بعد وصلة الشكر والترحاب)، بداية اسمح لي أن أقدم لك نبذة عن عمل الوزارة.
المذيع: نعم باختصار لو سمحت.
الوزير: الصحيح أن وزارتي معنية منذ أن تأسست بخدمة الإنسان الأردني منذ أن يُولد؛ حيث نؤمن له الأجواء المميزة والبيئة الطيبة التي يحيا بها، وحتى يموت؛ حيث نؤمن له القبر الصالح الذي يضمه.
المذيع: عفواً.
توقف التصوير مؤقتاً.
الحوار امتد في قضايا أخرى بعد أن أصر الوزير على أن ما استهل به الحديث ضروري وجوهري ومهم.
إذن لماذا نحن قلقون؟، فلنمت "براحتنا" إذا كانت الحكومة معنية بنا من المهد إلى اللحد، كما يتصور السادة المسؤولون وبأنهم يؤمنون لنا البيئة الطيبة والقبر الصالح.
لماذا إذن تفرغ أمانة عمان الكبرى من كل خططها وديونها ومشاكلها واعتصاماتها وحساباتها الشخصية وغير الشخصية، لتتجه نحو القبور وتبدأ بنبش أسعارها وتكاليفها على المواطن؟.
ولماذا يفكر مسؤولو أمانة عمان الذين أنهكتهم حتماً محاولات النفي المتواصلة لكل الأخبار الواردة من وعن الأمانة، بدءا من أخبار الباص السريع ودراسات جدواه الاقتصادية المستمرة حتى اللحظة، مروراً باعتصامات المهندسين وعمال الوطن والمياومة والتجاذب المستعر بين مسؤولي الأمانة، وحتى لقاء الرئيس الذي انتهى بحرد رسمي، لماذا يفكر هؤلاء المسؤولون المنهكون بكل هذا؟.. بالتوجه إلى قبور الأردنيين ليدرسوا الجدوى الاقتصادية من رفع تكاليفها وتقاضي رسوم إضافية على خدمة حجز القبور.
لا يحدث هذا إلاّ هنا، حتى وإن انبرى بعض المسؤولين لنفي القصة كما حدث تماماً، تبقى مجرد الفكرة التي هي واقع وحقيقة رغم كل بيانات النفي و(الجبجبة)، تبقى مثاراً للاستغراب والسخرية، ولعلها مؤشرٌ أيضاً على ضيق الأفق الذي يدفع مخططين حكوميين للتفكير بهكذا أسلوب، ما حولهم الى أدمغة جباية إلكترونية متحركة، وإلاّ فأين يمكن أن نجد غلاء في رسوم القبر، ورفعاً متفاقماً لرسوم السفر والخروجية والدخولية، وفرضاً لضريبة بركة السباحة ورسم تلفزيون وآخر للجامعة وثالثا لتحسين الموقع الذي لا يشهد تحسيناً أبداً، وآخر للنفايات وهكذا.
يكاد بعض الأردنيين ينتظرون الموت هرباً من غلاء كل شيء وضرائب كل حركة ونفس، فيجدون أن هذا لم يعد يجدي، وأن الغلاء يلاحقهم إلى هناك، "ادفع واسكت"، هكذا قال مسؤولو الأمانة مراراً لمراجعين من أصحاب المصالح والقضايا، وهي إحدى النظريات المستحدثة من الرؤية الأردنية المعروفة بعمقها في التعامل مع المواطن تحت عنوان "ادفع ثم اعترض".
بتنا نتندر بقلة حيلتنا، واكتفينا كما اكتفت شعوب عربية، بالضحك على أنفسنا وإلاّ ماذا يعني أن تُفَعل الأمانة خدمات برنامج "احجز قبرك" للميتين المرحومين المميزين. وترفع أسعارها.
أتصدقون أن الأمانة ذكرت في السياق نفيها للخبر "أن المقابر العامة التي تتبع للأمانة تشهد إقبالاً متزايداً من قبل المواطنين"؟.
"ما يؤكد رؤية معالي الوزير إياه...؟! هذا الرفع لم يكن الأول لرسوم دفن الموتى، بل سبقته زيادة منذ ثلاثة أعوام لم ينتبه لها أحد لانشغالنا آنذاك بالحياة، أكثر من انتظارنا الموت كما نحن الآن.
أعزائي.. فكروا لحظة، ثم موتوا، واستفيدوا من خصومات الأعياد، وتذكروا قاعدة اقتصادية أخرى مبدعة، لن تموت.. هي "الدفع قبل الرفع".

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »له له له (قيس البياري)

    الخميس 12 تموز / يوليو 2012.
    يعني هيك : اشي مؤسف . . .
  • »الامانة في الامانة (منى عباسي)

    الخميس 12 تموز / يوليو 2012.
    ما زالت علاقة المؤسسات الحكومية مع المواطن تقوم على اساس علاقة تفتيش الجيوب ..ما جرى في الامانة ويجري من اقرار للضرائب والكفالات والامانات والبدلات والمجوزات والتأمينات لكل معاملة يحكي لنا كيف تفكر هذه المؤسسات في التعامل مع الناس المثقلين باعباء اخرى كثيرة خارج اسوار الامانة..الشكر للكاتب الجميل هاني البدري وحسه الاعلامي الكبير ايضا
  • »اكثر من رائع (سامر عبد العزيز)

    الخميس 12 تموز / يوليو 2012.
    شر البلية مت يضحك...ومقال الاستاذ هاني البدري اليوم احجز قبرك واستفيد من الخصومات فيه من خفة الدم والعمق الكثير وفيه من الضحك على النفس الاكثر
    نحن اصبحنا ضحايا لماكينات جباية متحركة ليس في امانة عمان الكبرى فحسب ولكن في كل مكان..فعلا ان نضحك على انفسنا خير من ان نموت الان ونتكلف مزيدا من التكاليف والرسوم..شكرا للاعلامي الاستاذ هاني البدري وللغد العزيزة