عربيات: لا مطامع لنا في المناصب ومطالبنا تمكين الأغلبية من تشكيل الحكومة

تم نشره في الثلاثاء 10 تموز / يوليو 2012. 02:00 صباحاً

ماذا يفعل الإخوان المسلمون لو كانوا في السلطة؟

 

عمان - الغد - بدءا من هذا العدد، يجري مركز هوية، بدعم من مؤسسة "فريدريش ايبرت"، وبالتعاون الحصري مع "الغد"، حوارات ولقاءات من نمط جديد، تشمل شخصيات من مشارب سياسية وفكرية مختلفة، وتقوم على سؤال مركزي قوامه "ماذا لو كنت في السلطة"؟
وفي الحوار التالي الذي دار مع القيادي في جماعة الإخوان المسلمين رئيس مجلس الشورى الأسبق الدكتور عبداللطيف عربيات، أكد أن مواجهة المشكلة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، وارتفاع المديونية العامة، تتحقق من خلال تشكيل حكومة برلمانية يسبقها إجراء انتخابات نيابية نزيهة واستعادة الثقة بالمجلس التشريعي، للدفع باتجاه تنفيذ إصلاحات اقتصادية وسياسية.
واستشهد القيادي الذي شغل سابقا موقع رئيس مجلس النواب، بالتجربة البرلمانية للمجلس النيابي الحادي عشر، معتبرا أن محاربة الفساد تتجسد من خلال انتخاب ممثل لإرادة الشعب.
وقدم عربيات خلال الحوار جملة من التصورات التي رأى فيها حلولا ومعالجات لإشكاليات سياسية واقتصادية، في حال وصول ممثلين عن الحركة الإسلامية للسلطة، بما في ذلك عرض مواقف الحركة حيال الاتفاقيات الدولية ومعاهدة وادي عربة، وكيفية مواجهة الجماعة لقضايا رئيسية كمحاربة الفساد وإقرار قوانين فاعلة للحد منه، والتعامل مع ما أسماه "وصفات البنك الدولي" والمؤسسات المستقلة لجهة إلغائها.
وشدد عربيات خلال اللقاء على رفض سعي الحركة الإسلامية للسلطة أو الاستئثار بأغلبية برلمانية، في حال مشاركتها في الانتخابات، قائلا إنها تسعى للمشاركة وليس للمغالبة، لكن بدون أن يعني ذلك أن يصل إلى البرلمان، على سبيل المثال 6 نواب إسلاميين، من أصل 120.
أما فيما يتعلق بالموقف من اتفاقية وادي عربة، قال عربيات "إنها قانون وبالتالي بالقانون يمكن إلغاء المعاهدة".


 وتاليا نص الحوار مع عربيات:

• لنبدأ من الملف الأكثر سخونة، وهو الملف الاقتصادي. فقد وصلت المديونية إلى 17 مليار دينار، على الرغم من تطبيق الأردن لكل "وصفات" صندوق النقد والبنك الدوليين لمعالجة هذه الأزمة، وما رافق ذلك من رفع للدعم عن السلع الأساسية. لو كنتم في السلطة كيف ستتعاملون مع الملف الاقتصادي، وكيف ستعالجون عجز الموازنة وارتفاع
المديونية؟                                    
- لو كنا في السلطة؟ في الواقع كنا في يوم من الأيام في السلطة وواجهنا أوضاعا مشابهة، إننا بالفعل واجهنا مثل هذه الأزمة التي يمر بالأردن، وأقصد أزمة العام 1989، التي عصفت بالبلاد. فالبنك المركزي آنذاك  لم يكن فيه دينار واحد، والملك الحسين حل القضية بخطوة واحدة بدون لف أو دوران، فقد قام بحل الحكومة وتكليف حكومة مؤقتة لإجراء الانتخابات النيابية، ثم قامت انتخابات نزيهة، وجاء مجلس يمثل الشعب، وهذه الثقة كانت أساسا للإصلاح.
ثم جاء المجلس النيابي الحادي عشر (1989 – 1993)، وهو الذي واجه نفس المشكلة الاقتصادية. ونحن إذا ما كنا في السلطة سنقوم في البداية بإيقاف الفساد، لأن الفساد هو سبب المشكلة. 
صحيح أن الأردن مصادره شحيحة، لكنه يملك قوى بشرية مدربة متعلمة تأتي بالدخول بشكل لا تأتي به المصادر الطبيعية.
أنا شخصيا كنت في وزارة التربية، وكنا نخطط للإصلاح التربوي بما يخص الأردن، وما يخص المنطقة المحيطة بنا. فكنا نحسب حاجة الخليج على سبيل المثال من القوى البشرية المدربة من معلمين ومهندسين وأطباء وفنيين، إلخ... هؤلاء كانت عائدات مردودهم في ذلك الوقت 3 مليارات دينار سنويا، وهذا الرقم يمثل ثلاثة أضعاف موازنة الدولة عندنا آنذاك.
تطبيق وصفات النقد الدولي وخططه وأفكاره توجد لدينا ملاحظات عليها، وليست جميع الخطط لصالحنا ولا تحل مشاكلنا، أحيانا اتباع خطط البنك الدولي فيها البلاء نفسه، فقد طرحوا فكرة الخصخصة، وعندها بعنا أرصدة الدولة الأساسية بأسعار زهيدة، وما جرى بالإسمنت والفوسفات والبوتاس والاتصالات وغيرها هو أننا بعنا ما لدينا من موجودات ولم نصل إلى نتيجة، هذه قرارات خاطئة، وبذلك فقد شجعنا الفساد وأيدناه، وفتحنا بابه، وبالتالي لم نصلح ولم تكن لنا عائدات إلا ما نراه الآن.
لذا نحن بحاجة إلى أن يكون الحل من عندنا ومن الأردنيين، وأن نكون من يضع الخطط ويختار طريق المعالجة.

• ما هي الطريقة الأمثل لمعالجة الفساد لو كنتم في السلطة؟ هل ستستردون الأموال العامة المنهوبة أم ستتعاملون بمبدأ "عفا الله عما سلف"؟
- نحن لا نتعاون مع الفساد بل نحاربه، فالفساد سببه أمر مهم وهو عدم الحفاظ على القواعد الأساسية المرتبطة بالسلطة التنفيذية. هناك اعتداء واضح على الدستور، وتم الاعتداء على حرية الناخبين، والنتائج كما ترى عدم ثقة الشعب بالمجلس، وتقدم أشخاص ليسوا مؤهلين لذلك، فأصبح الفساد ككرة الثلج تزيد كلما تدحرجت إلى الأمام.
وهناك عدم شفافية في كيفية صرف أموال الدولة، وبغياب الرقابة التشريعية الآمنة عشش الفساد، ووجدنا قضايا فساد عرضت على مجلس النواب الذي غطى عليها جميعا وحذفها من الوجود.
سأعطيك مثالا مباشراً، "قانون من أين لك هذا" وضعناه في سنة 1989 وأقره مجلس النواب وأرسلناه إلى الأعيان، فتلكأ الأعيان حينها، ثم أسميناه "قانون الكسب غير المشروع"، وقدمناه ثم أعاده الأعيان. وما بين النواب والأعيان تم هدر الوقت وذهب مجلس النواب الحادي عشر، ثم جاء المجلس الثاني عشر، ولم يخرج القانون من الأدراج، ثم عمد المجلس الثالث عشر، إلى تمزيقه وإفراغه من كل ما جاء فيه. 
هذا هو الفساد بعينه، فالسلطة التي تشرع وتراقب هي من "تآمرت" على قضايا الأمة وشجعت على الفساد، وأين قانون الكسب غير المشروع الذي وضعناه في بداية التسعينيات؟  أيضا هذا هو الفساد بعينه، وأتحدى أن يناقش ذلك أحد في ندوة عامة ليسمع الناس ما جرى وقتها.
وأريد أن أقول شيئا مهما فيما يتعلق بالانتخابات، فنحن عشنا في الأردن 70 سنة ونحن نشيده، ولذلك نحن نطالب بقانون انتخاب عادي، وهناك جملة بسيطة تقول "ينتخب الناخب العدد المقرر له في دائرته الانتخابية" ...فإذا كان معي 10 أصوات فلماذا يفرض علي صوت واحد؟ وهذا الصوت المجزوء لم يخرج منا، وهناك "مهندسون أجانب أشرفوا على وضع هذه القوانين" وما يزال بعضهم حتى الآن في الأردن، بل يتبجح في إحدى المناسبات قائلا "أنا مهندس الصوت الواحد".
ليست لدينا مشكلة إلا في عدم وجود إرادة حقيقية للإصلاح، هذه أهم معادلة، وهذه الخطوات القصيرة التي ذكرتها تفرز مجلساً نيابياً ينال ثقة الناس وتسلم المسؤولية لهذا المجلس.
النزاهة في الحكم تحل المشاكل الاقتصادية
• يثار كثيرا موضوع المساعدات الخارجية، العربية والأجنبية. فكيف ستتعاملون مع هذا الموضوع؟
- لا أحد يرفض مساعدة تقدم له، لكن على المساعدة أن تكون في مكانها وللهدف الذي استخدمت من أجله، وليس لنشر الفساد بل لمنعه. المساعدة في حد ذاتها ليست أمرا سيئا بل هي جيدة ومقبولة، لكن كيف تصرف ولمن تصرف ومن يحاسب عليها؟ لا نريد مساعدة مشروطة، فأنا لا أقبل أية مساعدة تسيء إلى الصالح العام في البلد، وإلى هوية البلد ومستقبله وللناس.

• في بداية حديثك طرحت موضوعا مهما وهو "الهيئات المستقلة". توجد لدينا 17 هيئة مستقلة لها نفس تسمية ووظائف الوزارات. وميزانية هذه الهيئات مليار و700 مليون دينار. الكثيرون أثاروا جدلا من حيث وجودها من الأساس. ما رأيك؟
- موضوع الهيئات المستقلة اسم عام يدخل فيه الصالح والطالح، وهناك هيئات مستقلة مثل الجامعات، التي تعد مؤسسات كبيرة ويجب أن تكون مستقلة ولها قوانينها الخاصة وسلطتها الذاتية، وأن تكون تحت رقابة وإشراف ديوان المحاسبة وإداريين مستقلين، وأن تكون لهذه المؤسسات تجربتها الأكاديمية، وتدير شؤونها بنفسها.
أما أن نعتبر أن "المزارع" والمصالح "مؤسسات عامة"، وهي في حقيقتها مؤسسات خاصة، فهذا لا يجوز، والفصل في مفهوم الهيئات العامة مهم جدا، وعلينا أن نحرر مفهوم الهيئات العامة من الخلط الكبير، ولدى الكثير منها في ثناياها قضايا خاصة. أما المؤسسة العامة فيجب أن تعرف تعريفا دقيقا، قوامه أنها: "مؤسسة عامة تعمل للخير العام والصالح العام، وأن ظروفها تحتاج لخصوصية".
وكما ذكرت فإن الجامعات تعد قضية مؤسسات عامة، أما أن تدخل شركات ومصالح خاصة إلى هذا العالم، فذلك يجب أن يمنع، وأن يحاسب المندس، ولا يجوز ذلك لأن الأصل أنها للصالح العام وتحت إشراف الدولة.

• إذن أنتم ستلغون مؤسسات معينة لو كنتم في السلطة؟
- نعم سنلغي، وسيحاسب كل من أفسد فيها ومن وضعها في هذه المواضع. المؤسسات هي عامة، لكن طبيعة عملها تتطلب أن تكون ذات طبيعة خاصة لإنجاح هذا العمل، وأن تخرج من روتين الحكومة.

• يقال إن الأردني يدفع أكثر من 100 ضريبة! ما هي الطريقة الأمثل للتعامل مع موضوع الضرائب، وبخاصة ضريبة المبيعات، التي لا تميز بين غني وفقير، ولا بين سلعة أساسية أو كمالية؟
- نحن نقول إن مثل هذا الأمر يحكمه التشريع. والدستور الأردني قرر أنه لا يجوز فرض أية ضريبة إلا من خلال قانون، والقانون لا يخرج إلا من مجلس النواب، وهذه أمور معروفة في الغرب كله، ولا توجد ضرائب بدون مصادقة ممثلي الشعب.
ونحن عندنا، وفق ظني، المادة (120) أو (121) من الدستور، التي تمنع فرض ضرائب إلا من خلال مجلس الأمة، الذي يمثل الشعب، أما وضع الضريبة وفق الهوى والمصلحة فهو فساد، وفيه قتل للفقير، وهذه مخالفة دستورية يجب أن تتوقف، وإذا كان لا بد من ضريبة فيجب أن تفرض من خلال قانون، يقره مجلس النواب، ويراقب تنفيذه، وله الحق في المراقبة والمحاسبة وتوقيع العقوبة.
وللأسف، فإن من يتحكم بالتشريع في المجلس هم أصحاب المصالح الخاصة، وهناك انعدام للرقابة، لذا أقول إن الدستور يحل معظم هذه المشاكل.

• من المعروف أن أكثر من نصف الموازنة العامة للدولة هي موازنة الديوان وموازنة الإنفاق العسكري، وهي غير مشمولة برقابة مجلس الأمة. وهناك دراسة تقول إن الأردن خامس دولة في العالم من حيث الإنفاق العسكري، الذي يحتل 9 % من قيمة الموازنة العامة، بينما في قطاعي الصحة والتعليم تبلغ النسب 2.8 % و3.7 %، على التوالي، ما رأيكم بهذه الأرقام؟
- لا شك أن القضية البديهية هنا أن التشريع هو الذي يحكم، وهناك ولاية عامة لمجلس الوزراء، وولاية عامة وخاصة لمجلس النواب، سواء فيما يتعلق بموازنة الديوان أو المؤسسة العسكرية. والدستور أوضح من ناحية أن لها ميزانية، وهي تحت الرقابة في جميع الاتجاهات.
ومبدأ الكلام البديهي أنه لا يوجد أحد فوق القانون. ومثال ذلك أن موظفي الديوان الملكي هم جزء من موظفي الدولة، وليس لهم أي مفهوم دستوري آخر، والجيش أيضا، وإذا لم تكن الأمور كذلك، فلماذا نسمي وزيرا للدفاع ووزيرا للداخلية؟
يجب أن لا يغيب عنا أن الدستور موجود، ويجب أن نطالب بالإصلاح بدون أن نضيف بديهيات للدستور.
من البديهيات، إذن، أن الجيش والديوان مؤسسات حكومية تخضع لمجلس الوزراء، وهو صاحب الولاية العامة، وهو الذي يحاسب هذه الدوائر، فمدير المخابرات مدير دائرة تتبع وزير الداخلية، والذي بدوره يتبع رئيس الوزراء، ورئيس الوزراء يتبع الملك، هذا هو دستورنا، وهذا تنظيمنا. ومن أراد تعديل الدستور عليه قبل المطالبة بالإصلاح أن يطالب بتطبيق ما هو موجود  في الدستور أولا.
ومن الأمثلة أيضا أن أوامر الملك الشفوية والخطية لا تلغي مسؤولية الوزراء، فمثلا إذا أصدر الملك أمرا، سواء بكتاب خطي أو شفهي إلى الوزير، وكان ذلك مخالفا للدستور، فعليه أن يمتنع عن القيام به، وهذا ما نص عليه دستورنا.

• في ظل الحديث الحكومي الدائم عن نقص الموارد، هل ترون وجود إمكانية لإضافة مبدأ مجانية التعليم والصحة، بوصفهما حقوقا للمواطنين؟ وفي حال أيدتم الفكرة، فمن أين تأتون بالأموال اللازمة لذلك؟
- أنا ابن التربية والتعليم، وأعرف ماذا لدى الوزارة، وهي مؤسسة كبرى تضم أغلبية الشعب الأردني، وهذه المؤسسة يحكمها قانون يسمى قانون رقم (16) لسنة 1964، فلماذا وجد هذا القانون في العام 1964؟ لأنه كانت هناك شركات لمؤلفي كتب المناهج الدراسية، وتتم طباعتها وبيعها بسعر غال، فجاء القانون ليؤمم الكتب المدرسية، ويطبعها على حساب الموازنة، ويوزعها بالمجان على قطاع التعليم الإلزامي، وكان التوزيع وقتها للسنة الدراسية التاسعة، والآن يشمل العاشرة، أما في المرحلة الثانوية فتوزع الكتب بسعر التكلفة فقط. باختصار وزع القانون الكتب بالمجان، وأعطى المعلمين علاوة مهنية، وعلاوة مديرين في المناطق النائية، ومنح الصلاحيات. صحيح أن هنالك تهميشا لبعض بنود القانون، لكنه قانون حاكم، ونحن نحتاج إلى قوانين مماثلة في المؤسسات الأخرى.
والأردن، بحسب تصنيف اليونسكو في السنوات الأخيرة، كان الأول تعليميا على مدى 40 عاماً بين الدول العربية، وهذا التوفيق والنجاح من أسبابهما أنه يوجد قانون يتم تطبيقه، وبقي كمرجعية.
وفي قطاع الصحة كذلك، فعلى الرغم من كل السوء الذي نواجهه، إلا أن التربية والتعليم والصحة عناصر مهمة في هذا البلد، والتطبيق عندنا وصل القمة على مستوى المنطقة. ونحن ندعم التربية والتعليم والصحة، إلى جانب الجيش، باعتبارها المؤسسات الكبرى في الدولة، وما عدا ذلك فهي ملاحق، وهي تحتاج إلى قوانين، وإلى سيادة الحكومة على الولاية العامة، وبنائها على أسس وليس أمزجة المسؤولين، لاسيما وأننا نرى في كل ثلاثة أشهر وجها جديدا، وهذا الموضوع غير جائز.
وعلينا أن نفهم جيدا قضايا الولاية العامة، والدستور، والقوانين قبل المطالبة بالإصلاح، فنحن نطالب بالإصلاح، وفي الوقت نفسه لا نطبق الدستور والقوانين الموجودة!
علينا أن نعرف أن الدستور ينص على أن رئيس الوزراء والوزراء ملزمون بتطبيقه، وتحت إشراف مجلس النواب.

• كيف ترون وسائل تشجيع الاستثمار الداخلي والخارجي، التي، بالضرورة، تساهم في حل مشكلتي البطالة والفقر؟   
- عن طريق فتح السبل للاستثمار الداخلي والخارجي، ومنع الفساد بأي شكل من الأشكال، فالمستثمرون في الأردن يشكون، ومنذ بداية وصولهم أو خروجهم، أن الكل يحاول استغلالهم. نريد شفافية في هذا الموضوع ومحاسبة كل من يسيء.
وأعجبني في المغرب العربي موضوع الشفافية، حيث قبضوا على أشخاص ممن سرقوا أموال الدولة، فقالوا لهم أبقوا الأموال معكم، لكن عليكم أن تقولوا لنا كم هي قيمتها، وكيف أخذتموها، ونحن فقط سنخبر الناس بأنكم أخذتم هذا المبلغ من الدولة، وسوف تدفعون الضريبة "وخلي كل شي معكم"، حينها أعادوا الأموال إلى الخزينة خوفا من العار.
أنت عندما تعمل في إطار العقل والصدق والإخلاص، تحل أكبر المشاكل، فنحن بحاجة إلى الشفافية، كما أننا مجتمع تهمه السمعة أكثر من المال، فلو قدمت شخصا وأجبرته على الحديث عما أخذه، فبعدها لن تجده يفعل ذلك، فالتعزير عقوبة اجتماعية أصعب من العقوبة المادية، وأنا أقول إذا كنت لا تستطيع أن تقوم بواجبك فاجلس في بيتك.
لن نستلم السلطة منفردين
• يدور كثير من الكلام، سواء بين مؤيدين أو معارضين للحركة الإسلامية، أن ما يهم الحركة الإسلامية هو التعديلات الدستورية فقط، بما يتيح لها تشكيل حكومة برلمانية تكون هي المستفيد منها أولا.. وصولا للسلطة. فلو كنتم في السلطة، ما هي التعديلات الدستورية التي ستقومون بإجرائها؟
- جزء من هذا السؤال تمت الإجابة عنه في البند الأول من الجانب الاقتصادي، أما التعديلات الدستورية، فكما قلت، يوجد لدينا دستور قائم، وهو دستور1952، وهذا الدستور له ميزات كثيرة، وفيه قضايا كبرى لم تطبق، وتم الاعتداء عليها، وكخطوة أولى مطلوب أن يطبق الدستور وروح الدستور وليس تفسيرات أصحاب المصالح.
من الطبيعي أن نطالب بالتعديل والتحديث، ولكن قبل ذلك علينا أن نطبق ما في الدستور، فنسبة كبيرة من مواد الدستور غير مطبقة حتى هذه اللحظة، فعندما تم تطبيق دستور 1956 بشكل كامل ونزيه، دخلت بموجبه الأحزاب إلى الانتخابات، ومن ضمنها حزب البعث، وكان له وزير، والشيوعيون أيضا كان لهم وزير، أما الإسلاميون فكان لهم 4 نواب، والوطني الاشتراكي كان له 9 نواب وشكل الحكومة.
إن غاية ما يطالب به الإخوان هو تمكين حزب الأغلبية من تشكيل الحكومة، وهذه قضية موجودة من حيث المبدأ في الدستور، ولكنها بحاجة إلى تعديلات ورتوش لتثبيتها وجعلها في صيغة جريئة طبيعية وليس فقط اختيارية، ففي العام 1989 أيضا جاءت انتخابات إلغاء الأحكام العرفية والمحاكم العسكرية كافة، وجعلها محكمة مدنية جميع أحكامها قابلة للتمييز، ونذكر هنا مجموعة الشباب في جامعة مؤتة، الذين كانوا محكومين بالإعدام، وعند التمييز خرجوا بالبراءة.
هناك واقع عملي وله أساس تاريخي، وفزاعة الحركة الإسلامية جاءت في العام 1989، ولم تكن الحركة أغلبية آنذاك، ومع ذلك قادوا المجلس، وكانوا الكتلة الكبرى، فقاموا بإصلاحات كبيرة، والناس ينظرون إلى الآن، إلى المجلس الحادي عشر، بكونه لا مثيل له في مجالس الأمة كلها، لأنه جاء طبقا للدستور.
وكما قلت في البداية، فإن قانون الانتخاب الذي شوه، ويعاني منه الناس حاليا، هذا القانون وضع ضد فئة معينة، والسؤال أليست هذه الفئة من المواطنين، ومن أبناء هذا الوطن؟ أليست هي من أسهمت بحماية الأردن في أحداث "57" و"70" وغيرها من المواقف الخطرة جدا التي كانت تعصف بالبلد كله؟ فلماذا يأتي التخويف منهم ويعاملون كفزاعة؟ نحن في الحركة الإسلامية لا نطلب الأغلبية، وأعلناها صراحة، موقفنا هو المشاركة لا المغالبة، ولكن ذلك لا يعني المشاركة بحجم 6 من 120 نائبا.
أنا شخصيا أتاني أناس يقولون لي كم تريدون: 20 أو 25 يكفيكم؟ قلت لهم لو أعطيتمونا 100 مقعد سنرفض، فنحن لا نقبل عطايا وهبات، أنا أريد أن ينتخب الشعب، إن أعطاني سأقبل.. وإن لم يعطني فمع السلامة، فالحركة الإسلامية لا تريد سلطة.
هؤلاء الذين يرفعون راية فزاعة الحركة الإسلامية نقول لهم، ليس للحركة الإسلامية مطامع في السلطة في هذا البلد. الحركة الإسلامية إصلاحية، وتعتمد الإصلاح بالتدرج، وهذه قضايا مؤسسية معلن عنها عندنا.

• برغم إعلانكم المتكرر عن هذه المواقف، لكن هناك أصوات تحذر فعلا من الحركة الإسلامية، بأنها تظهر شيئاً وتبطن شيئاً آخر؟
- نحن مع البلد منذ العام 1946، ولم يكن من سياساتنا المعلنة وغير المعلنة، سواء الداخلية أم الخارجية، لن نكون بديلا لهذا البلد، نحن من هذا البلد وجزء منه، ونشارك فقط لإصلاحه، ولو طلب منا استلام السلطة فلن نقبلها، بل نحن نشارك فقط، لأننا نعرف حدود البلد وإمكانياته وظروفه والمحددات التي تحيط به، وأرجو ملاحظة أن مرشحي الإخوان أصلا لا يمثلون أغلبية المقاعد.
أكثر من مرة قلناها: نحن لا نريد أغلبية، ولكن نريد نسبة معقولة يكون لنا أثر فيها، وتسمع كلمة الإصلاح ولا توصل إلى السلطة، فالسلطة عرضت علينا ونحن رفضناها، ونقولها بملء الفم لا نقبل أن ندخل حكومة إلا بشرط الإصلاح، فإن كان هناك برنامج للإصلاح وطلب منا أن نشارك فيه لتنفيذ الإصلاح فسنشارك.
 وفي العام 1991 في حرب الخليج، وعندما كان البلد في خطر، وجاء رئيس الحكومة وقال لنا إن البلد ومصلحة البلد تتطلب مشاركتكم ونريد مشاركتكم في الحكومة، لأن الوضع صعب وخطير جدا، شاركنا حينها بخمسة وزراء، ومع ذلك قلنا نحن ليس لنا مطالب خاصة، فشاركنا لحماية البلد وتاريخنا.
قانون الانتخاب أولاً وأخيراً
• بالنسبة لمجلس الأعيان، وفي هبة الحراك الأردني، ارتفعت العديد من الشعارات المطالبة بإلغاء هذا المجلس، ومنها ما طالب بإعادة النظر بطريقة تشكيله نحو الانتخاب. لو كنت في السلطة ماذا ستفعل؟
-كنت في يوم من الأيام عضوا في مجلس الأعيان، فمجلس الأعيان له مهام محددة، لكن جاءت فترات كان مجلس الأعيان فيها عبئا على مجلس الأمة، مثلاً في المجلس الحادي عشر، عندما ألغينا المحاكم العسكرية وأقررنا محكمة أمن الدولة، اعترض على ذلك الملك حسب حقه الدستوري، فأصررنا عليها، ووقع الملك مجبرا. نحن هنا كان لنا حق.
والدستور يبين سبع طبقات يكون منها تشكيلة الأعيان، لكن في الفترة الأخيرة أصبحوا يجلبون أعيانا "مما هب ودب"!!! وهم ليسوا من الطبقات السبع التي حددها الدستور، وهذا أساء للمجلس، ومن كانوا فيه.
إن الملك يريد الدستور، والمنافقون والكذابون يقولون "هذا مجلس الملك"، وكأنه وضع ليكون تحت إمرته! مجلس الأعيان وضع لخبرته ولمكانة رأيه، ولكي يصفي بعض القضايا التي يكون مجلس النواب غير مؤهل لها، فيغطيها الأعيان، وأعتقد أن سبع طبقات كافية لأن تعبر عن نفسها، لكن الإساءة في التعيين، والإساءة في الأداء جعل الناس ينظرون إليه كعبء، لهذا طالب الشعب بإلغائه حاليا.

• نأتي إلى موضوع لجان الحوار الكثيرة التي تشكلت في تاريخنا الأردني، ومنها لجنة الوفاق الوطني، مرورا بلجنة "كلنا الأردن" ولجنة "الأردن أولا" و"الأجندة الوطنية"، وأخيرا لجنة الحوار الوطني التي لم تشاركوا فيها بشكل رسمي، بل من خلال النقابات ومواقع أخرى. كيف تنظرون لمخرجاتها، وهل لو كنتم في السلطة ستطبقون هذه المخرجات أو حتى جزءا منها؟
- بغض النظر عن الأخذ بها أو عدمه، نحن رفضنا المشاركة فيها لأننا، مع الأسف، كنا نعرف النتائج، وجاء الدليل أن ما أقرته اللجنة لم يؤخذ به.
أنا شخصيا والحركة الإسلامية شاركنا في الميثاق الوطني سنة 1990، وفي "كلنا الأردن"، وفي الأجندة الوطنية 2005، وكل واحدة منها شكلت بإرادة ملكية، واستغرقت أشهرا طويلة من العمل، ولكن أين هي مخرجاتها الآن؟

• في موضوع القوانين الناظمة للحريات، ما هي القوانين التي ستحرصون على تعديلها؟ على سبيل المثال، قانون الاجتماعات العامة، وقانون الأحزاب، والأهم قانون الانتخاب، هل ستسعون لتعديلها؟
- قانون الانتخاب، هذا القانون رقم 1، وهو يشمل جميع الإجراءات، ويجب أن يطبق قانون الانتخاب ما جاء في الدستور الأردني.
إن قانون الصوت الواحد لا يحترم ولا يحافظ على الدستور، وهو غير عادل، ولا يمثل إرادة الناخب، وقانون الانتخاب هو ما يعزز مجلس النواب، بحيث يكون مجلساً تشريعياً يمثل إرادة الشعب، ويقوم بتعديل جميع القوانين الأخرى، وللأسف المجلس الحالي هو من يغطي على قضايا الفساد.

• ما هو النظام الانتخابي الذي تتجه نحوه الحركة الإسلامية، أهو الكثافة السكانية أم الأكثرية أم النسبية، سواء كانت مفتوحة أو مغلقة، أو غيرها؟
- نحن مع قانون الحق، ويعني ذلك مساواة الناس، وأنا لا أستطيع أن أعطي نسبة مئوية لكل مواقع الأردن، فالقانون يجب أن يعطي نظرة شاملة وعادلة، ولا يجب أن يتحيز بين هذا وذاك، وأن يحرص على وضع معادلة تنصف الجميع. هذا هو القانون الذي نؤمن به، وقضية الكثافة السكانية تأخذ من حقوق الناس البعيدين.

• الكثير من النقاش يدور الآن حول الهوية، ومن هو الأردني، وقرار فك الارتباط، وهناك قبل فترة صدرت تعليمات جديدة حول فك الارتباط. ما تعقيبك؟
- يقول الدستور إن الأردن جزء من الأمة العربية، وإن الإسلام الدين الرسمي، واللغة العربية هي اللغة الرسمية، هذه معالم في الهوية، بمعنى أننا جزء من الأمة العربية، فـ"سايكس بيكو" لا يجب أن أضعها كمعيار.
نحن والفلسطينيون أبناء أمة واحدة، تربطنا معهم علاقات تاريخية وأخوية كثيرة، فقضية فلسطين هي قضية أمة وليست قضية الفلسطينيين وحدهم.
نحن نؤمن بالوحدة العربية كاملة، وأن فلسطين هي جزء من الأردن، وقضية التفرقة "أردني فلسطيني" هي مؤامرة من العدو على الأردن، فالأردن هو الوحيد الذي منح الفلسطينيين جنسية وأعطاهم حقوقهم، على عكس سورية ولبنان والعراق. هذا هو الأردن الذي عاش ويعيش من أجل القضية الفلسطينية.
من الممكن إلغاء معاهدة وادي عربة
• لننتقل إلى الحديث حول السياسة الخارجية: ما هي الطريقة المثلى للتعامل مع "إسرائيل" في ظل توقيعنا على اتفاقية وادي عربة؟
- أولا نحن نشعر أن معاهدة وادي عربة أتت ضد الأردنيين، والمعاهدة قانون، وبالتالي بالقانون يمكن إلغاء المعاهدة.

• هل تعتقد أن الأردن قادر على إلغاء المعاهدة، آخذين بعين الاعتبار العلاقة المركبة للأردن مع الغرب، حلفاء "إسرائيل"؟
- نحن ندعو إلى أن نكون أحرارا، ومصالحنا هي الأساس، فنحن نلغي أو نعدل حسب مصلحة الأردن فيها.

• العلاقات مع أميركا تحديدا؛ كيف تنظرون إليها، وكيف ستديرونها؟
- خلال السنوات الماضية قسمت الأدوار بشكل غير مباشر. الأميركان معسكراتهم موجودة وهم مهيمنون عسكريا وسياسيا.

• الوضع السوري ما رأيكم فيه؟
- لا شك أن من حق الشعب السوري أن يطالب بالحرية، وبانتمائه للأمة العربية، ولا يجوز قمع هذه المطالب. أنا أقول إن 40 سنة من الحزب الواحد انتهت، وفكريا، الشيوعية انتهت، والاشتراكية البعثية انتهت. وحمى الله سورية، وأتمنى ألا يحصل فيها ما حصل في العراق.

• كيف تنظرون إلى علاقة الأردن مع دول الخليج، وما رأيكم بالانضمام لمجلس التعاون الخليجي؟
- نحن وإخوتنا في الخليج جزء واحد، ونسيج واحد، وتاريخ واحد، وقد وضعت الحدود لتفرقنا، نحن أمة واحدة، ونحن مع وحدة أي جزء من الأمة الإسلامية، والأخذ بالواقع يقول إنه آن الأوان للتحرر من القبضة الغربية.

التعليق