هاني البدري

الصندوق الكويتي.. الإنسان بين الأرقام

تم نشره في الخميس 5 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً

لست من كتاب الأرقام والإحصاءات وصحافة الاقتصاد والمال، ذلك أنني اختصرت (الشر) بذهابي الى الفرع الأدبي، ما لم يوقعني أبداً في مأزق سؤال رياضيات لا إجابة له كما حصل مع طلبة التوجيهي العلمي أثناء امتحان الرياضيات هذا الأسبوع، ما استهلك منهم جل أعصابهم وكل وقتهم، قبل أن تخرج الوزارة لتعلن اعتماد الإجابة (ج) للفرع (3) من السؤال (5) للامتحان، ما لم أفهمه حتى الآن.. أيضاً.
ليست مهمة الأرقام إلا لهواة جمعها في أوراق (البنكنوت) أو السيارات أو حتى ربطات العنق، لكنها مهمة عندما تكون معنية بالإنسان كقيمة أساسية في دنيا تتفاوت فيها قيمة الإنسان؛ حيث تزيد وترتفع شمالاً وتنهار وتبخس جنوباً، وتحديداً في البقعة التي نحن فيها على الكرة الأرضية.
أتحدث عن الأرقام والإنسان لأنني ببساطة عَرجت على تجربة تستحق الإشارة اليها فيما يتعلق بالأردن تحديداً، اسمها الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية الذي يحتفل بخمسين عاماً على تأسيسه، وخمسين أخرى على انطلاق أول مشروع تنموي يدعمه في الأردن العام 1962.
صدقوني، لا أتحدث عن الاقتصاد ولا التنمية، لكني أقرأ علاقة تكاد لا تتكرر في المقاربة بين الأرقام والناس، اللهم بما تطرحه الحكومة الآن من مشاريع وقرارات لرفع أسعار ترتبط أيضاً بالإنسان وتغير شكل حياته كما هو الحال الآن.
الحديث عن الصندوق الكويتي الذي اطلعت على تجربته مبكراً، يقودني الى قراءة في الشعار الذي بدأ منه واستمر.. "مساعدة الآخرين حتى يساعدوا أنفسهم"، فكيف يمكن بالفعل تطويع الإمكانات المالية لخدمة قيمة وكرامة الإنسان في عيشه وفي مواجهة ملمات الحياة وعوائق تطورة وثماره.
بعيداً عن الأردن وفي مدن فقيرة أخرى نائية في أعماق القارة الأفريقية، بدأ الصندوق الكويتي العام 1974 حرباً على ما يسمى هناك بـ"وباء عمى النهر"، وهو أكثر الأمراض الخطرة شيوعاً في المنطقة، طارد الصندوق بأذرعه المالية الإنسانية المرض من منطقة الى أخرى، ومن بلد الى آخر حتى أعلن مع بداية هذا العام عن القضاء نهائياً على المرض التاريخي في المنطقة، وماذا كانت النتيجة؟.. ببساطة إنقاذ أكثر من عشرين مليون طفل من الإصابة بفقدان البصر عند الولادة، وحماية خمسين مليون شخص من الإصابة بالوباء. في المحصلة أيضاً استطاع برنامج الصندوق تحرير ثلاثين مليون هكتار من الأراضي الزراعية، ما يوفر الغذاء لإطعام أكثر من خمسة وعشرين مليون شخص سنوياً.
أرأيتم كم هي جميلة الأرقام عندما يتعلق الأمر بالإنسان، وكم تزداد قيمة الأصفار بهاءً عندما تكون معنية بتغيير واقع البشر وتحسين ظروف معيشتهم؟..
في الأردن.. حدث هذا أيضاً، ليس فقط في أول المشاريع التي اهتم الصندوق بدعمها في وادي اليرموك، داعماً قطاع الري والأراضي الزراعية والغذاء، وليس في دعمه الهائل لقطاع الطاقة وتوليد الكهرباء كما حصل في السمرا قبل يومين، ولا في دعم قطاع التعدين كما الحال في الفوسفات، ولكن أيضاً في دعم القطاع الطبي خدمة لصحة الإنسان في الأردن.. وأكثر في دعم المشاريع الصغيرة للشباب الأردني عبر الاستفادة من فروقات فوائد القروض المقدمة لتمويل مشاريع تنموية وإيداعها في بنك الإنماء الصناعي الذي موّل مشاريع صناعية وإنتاجية صغيرة للشباب الأردني في المناطق الفقيرة والنائية.
قيمة الإنسان لا تُدرك الا عند من يعرفها وليست فيها مساومة أو فصال، وإلا لم نحن هنا والآخرون هناك؟.. والأرقام تبدو أكثر مللاً وبلاهة وتغدو جوفاء بدون مضمون اذا ما خلت من المسؤولية الإنسانية..
في مصر، قام الصندوق مثلاً بمكافحة الازدحامات المرورية، وفي لبنان عوض المتضررين من الحرب الإسرائيلية، وفي مناطق أخرى عديدة كانت الملايين التي حبا الله الكويت بها، تُصرف من أجل كرامة الإنسان ورفاهه..
على مدى عقود طويلة، رسم الصندوق الكويتي للتنمية صورة أخرى وفهماً جديداً لشكل علاقات التعاون بين الدول كما فعل في ترسيخه لمفهوم جديد للعلاقة بين الرقم والإنسان.. وهو بذلك يحقق في عيده الخمسين الكثير من مضامين رسالته التي هي رسالة الكويت الشقيق.

hani.badri@alghad.jo

التعليق