الأجواء عشية الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية في مصر

تم نشره في الخميس 14 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً

الزائر للقاهرة "مصر المحروسة" في هذه الأيام، لا بد أن يلمس الدرجة العالية من الإحباط والتشاؤم حيال المستقبل السياسي لمصر، وبخاصة فيما يتعلق بنتائج جولة الانتخابات الرئاسية بين مرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي، وأحمد شفيق الذي يعتبره البعض ممثلاً للنظام السابق. وبالرغم من صعوبة التكهن بنتائج الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، إلا أنه يبدو أن هناك تغيراً كبيراً في المزاج العام لصالح المرشح أحمد شفيق.
الخيارات بالنسبة للقوى السياسية والشبابية التي قادت الثورة ليست سهلة، وقد يحجم الكثير منهم عن المشاركة. إنه لمن المفارقة أن كل القوى التي ساهمت في الثورة أصبحت خارج اللعبة السياسية بالكامل، وليس لديها سوى الشارع الذي ستضعف مشروعيته إذا كانت الانتخابات نزيهة. والسؤال المهم: من هو الطرف الذي يتحمل المسؤولية الأكبرعن هذا الوضع؟
الجميع يتحمل المسؤولية، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، عن الوضع الذي حصر خيارات الناخبين بين مرشح الإخوان ومرشح النظام، إذا جاز التعبير حسب الهواجس التي تصاحب كل خيار. ولكن برأيي أن الإخوان المسلمين يتحملون الجزء الأكبر من المسؤولية، كونهم الطرف الأقوى والأكثر تنظيماً بين القوى المعارضة للنظام السابق. إن إدارة المرحلة الانتقالية من جانب الإخوان تعوزها الحكمة والحنكة السياسيتين، والجميع مقتنع الآن بأن جماعة الإخوان عكست الشعار الذي تبنته في مرحلة سابقة، وهو "المشاركة لا المغالبة"، فأصبح السلوك الفعلي "المغالبة لا المشاركة".
تعود جذور الأزمة الحالية إلى إصرار الإخوان على ترشيح مُرسي لرئاسة الجمهورية بعد أن حصلوا على الأغلبية في البرلمان. قد يقول البعض إنه حق للإخوان، بما أنهم "حزب الأغلبية" أن يحكموا البلد، وأن يقودوه في المرحلة المقبلة. وربما يكون هذا صحيحاً من الناحية القانونية، ولكن ليس صحيحاً من الناحية السياسية، والسبب أن مصر تمر بمرحلة انتقالية كان لشباب الثورة والقوى السياسية الأخرى دور كبير في إحداث التغيير الذي قطف ثماره الإسلاميون وحدهم. ولو كان الإخوان أكثر حنكة، لعملوا على إشراك أهم القوى الثورية في المرحلة الانتقالية، لأن الشارع لم يجرب الإخوان في الحكم، ولو تمعنوا قليلاً لاستفادوا من التجربة التونسية التي طبقت مبدأ المشاركة لا المغالبة فعلياً، عندما أشرك الإسلاميون الآخرين معهم.
لم تكن جماعة الإخوان المسلمين بالدرجة نفسها من الذكاء السياسي، ولم تُدرك أن مصر في مرحلة انتقالية، وأنهم حزب ليست له خبرة في إدارة شؤون البلاد، وأن هناك قوى أخرى يجب أن لا يتم استثناؤها في هذه المرحلة. فالإصرار على التفرد بجني ثمار الثورة وحدهم شكّل قمة الأنانية السياسية، وأوصلهم إلى وضع من الممكن أن يخسروا معه كل المكاسب، كما أنهم ضيعوا فرصة تحول الأحزاب السياسية الإسلامية لتصبح أحزاباً ديمقراطية.
إن هذا الوضع لم يكن قدراً، ولم يكن الخيار الوحيد المتاح للإسلاميين. إذ كان بإمكانهم التحالف مع أحد مرشحي الثورة لموقع رئيس الجمهورية، وإشراك عدد أكبر من القوى والأحزاب السياسية بدلاً من إخراج الجميع من اللعبة. لقد أثار هذا السلوك تخوفاً مشروعاً لدى الأطياف السياسية كافة، وأدى بالكثير منهم إلى الانكفاء عن المشاركة. وحتى بعد فوز مرسي في الجولة الأولى، لم يستطيعوا نسج تحالفات مع القوى الأخرى، وأصبح الإخوان في الساحة وحدهم، وهم يلجأون الآن إلى أساليب يرى كثيرون، بمن فيهم فقراء، أنها امتهان لكرامتهم، والمتمثلة في حملات تقديم المعونات الغذائية لاستجداء الناخبين لصالح مرشح الإخوان. لم تنته حظوظ مُرشح الإخوان مرسي بالنجاح، ولكنها في تراجع مستمر.
الكل كان ينتظر نتائج تجربة تحول الإسلاميين في مصر من حزب معارض إلى حزب ديمقراطي يساهم في قيادة البلاد إلى دولة عصرية مدنية وحديثة. ولكن التجربة المصرية جاءت مخيبة للآمال، وعززت شكوك الكثيرين من غير الإسلاميين الذين كانوا مستعدين لدعمهم، بأنهم ليسوا جاهزين بعد لتسلم السلطة بل لقيادة دفة الحياة السياسية إلى مجتمع ديمقراطي، والتي ستلقي بظلالها على الدول الأخرى التي تنتظر نتائج التجربة المصرية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المشاركة لا المغالبه (بنت البلد)

    الأحد 17 حزيران / يونيو 2012.
    نتفق مع الدكتور شتيوي فيما ذكره تماما خاصة ما يتعلق بحصر الخيارات بين المرشح الاسلامي و مرشح النظام ولكن بما ان احلاهما مر فان الفرصة مواتيه لمرشح الاخوان برايي لم نجرب الحكم الاسلامي المعتدل لمصر ان صح التعبير ولكننا عانينا كثيرا من ويلات النظام البائد لذا ( نار مرسي ولا جنة شفيق).....
  • »المشاركة المتكافئة لا المغالبة من اجل الديمقراطية (محمود الحيارى)

    الخميس 14 حزيران / يونيو 2012.
    نشكر دكتورنا الفاضل شتيوى موسى على تحليلة الدقيق والواقعى لتجربة الاخوان لقيادة دفة الحياة السياسية المصرية ،واعنقد ان مقالتة تم تسطيرها دون الاستماع لمقابلة الجزيرة مع ممثل الاخوان فى الامس حيث بين مرسى بانة مع المشاركة لا المغالبة ،والشكر موصول للغد الغراء للسماح لنا بالمشاركة ايضا على الطريقة الاخوانية.