هاني البدري

مؤسسة رعاية الفشل!

تم نشره في الخميس 10 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً

أن يتم اختيار طالب أردني من جامعة الطفيلة التقنية من قبل مؤسسة عالمية أكاديمية عملاقة كواحد من أكثر خمسة وعشرين شاباً تأثيراً في العالم، فيما هو في مجتَمعه واحد من آلاف الشباب الأقل رعاية وفرصاً وحظاً، فهذا يعني أن بيننا مبدعين حقيقيين ونحن لا ندري..
وأن يفوز شاب أردني بجائزة إبداع إعلامية عربية بين مجموعة كبيرة من الشباب العرب، ويقول إن هذه هي جائزته الخامسة عشرة التي لم يعرف عنها أحد في الأردن، ولم تلق اهتماماً من قبل مسؤول أو إعلام أو مؤسسة، فهذا يعني أننا مُقصرون تاريخياً بمبدعينا وموهوبينا.
ثم أن ننتظر اعداد الشباب الأردنيين الذين يتقدمون في مراحل متعددة لبرامج المواهب والنجوم، منطلقين من مبادراتهم الشخصية، ونتابعهم ويُصوتُ بعضُنا القليل لهم عبر الرسائل القصيرة، وعند فوزهم نستلّ كلَ أسلحتنا لنبدأ بحروب الإشاعات والنيل منهم منطلقين من أن هذا النجم بدأ يتضخم "ويشوف حاله" فهذا يؤكد أننا لا نستحق المبدعين..
أي مبدعين..!؟ أتعرفون كم من المواهب وُئدت في مهدها لشباب أردنيين حلموا بالوصول بمواهبهم لآفاق، فتصدت لهم قوى الشر والفشل، مرة بالإشاعة وأخرى بزلة لسان وثالثة ورابعة "ومليون" باختلاق الحجج وابتداع الكمائن ونصب المعيقات..؟
من يعرف منّا عن شباب أردنيين فازوا في جوائز عالمية في المعلوماتية مثل مايكروسوفت وغوغل وأنتيل.. وجوائز دولية أخرى في الإعلام البيئي والصحي، والهندسة الالكترونية والكهرباء والمعمار وجوائز الملك فيصل العالمية والطب..
من يعرف كم سبق لمجلس الاختراعات الأميركي أن منح من براءات اختراع لشباب أردنيين لم يسمع عنهم أحد.. اسألوا الدكتور عيسى بطارسة ومنير نايفة ووسام الربضي..
نحن قاعدون، على كنز من المواهب التي نعمل بشكل جماعي ومؤسسي ومنظم، "لتطفيشها" ولفظها خارجاً، ثم نعود ونقول أليس من الغريب كل هذه الأسماء الكبيرة بين النجوم العرب ومن مختلف الدول العربية، ليس منهم أبدا من يُدغدغ مشاعرنا عندما نقول "النجم الأردني فلان"...؟!
لا أتحدث عن كرزون ويحيى صويص ويوسف عرفات والشاب الطفيلي عبد الرحمن الزرقان وعبد الله المومني وصبا مبارك وإياد نصار، والعازف العالمي زيد ديراني، وزيد عباس المحترف الأردني الذي يلعب بدوري كرة السلة في الصين وآخرين بكرة القدم الألمانية والانجليزية والسويدية.. بل أتحدث عن الآلاف ممن عُقرَت أحلامهم أمام أعينهم، لكونهم موهوبين في بيئة طاردة للمواهب..
من يعرف منكم أسماء الإعلاميين الأردنيين الذي لاحقهم أذى مؤسسات الفشل وشخوصها حتى (كاونتر) الجوازات في المطار، قبل أن تهرب بلا عودة.. لتؤسس فضائيات وترأس تحرير صحف كبرى وتذهل الجمهور ببرامج وأخبار.
أحسست في حوارين قبل أيام مع الجميل موسى حجازين والرائع زهير النوباني ذات المرارة التي بِتنا نعرفها بين فنانينا.. "أين انتم يا أستاذ اليوم.. فلا دراما أردنية ولا إنتاج ولا مؤسسات ترعى ولا ما يحزنون.." يأتيك ذات الصوت المُتعب "نحن موجودون"!!  كلنا موجودون يا أستاذ، ولكن أين كل هذه الأسماء التي يسألوننا عنها كلما ذهبنا إلى الخليج، سمعة ومرزوق وأبوعواد والعلم نور والثنائي مصطفى شعشاعة وسهير عودة ويانس وربيع وجلاجل وعبير عيسى... وغيرهم.
بتنا لا نعرف مبدعينا ولا ندرك كم نحن بحاجة لهم في هكذا ظروف ألمّت بنا حيث مؤسسات رعاية الفشل ووزارات الصمت المُطبق هي الراعي الرسمي لمواهبنا.. نسأل من صاحبة هذا الصوت الملائكي.. أهي لبنانية، فنجيب لا نعرف اسمها مكادي نحاس..!
مازلت أذكر صديقنا العتيق.. حين طلب من موظف موهوب لديه.. أن يُلقي بالجزء الاكبر من موهبته واحترافه في الشارع قبل أن يدخل الى عمله حتى لا يثير حساسية الموظفين الآخرين من حوله فيقع فريسة حروبهم الكريهة.. كانت النصيحة من باب إنقاذ هذا الموهوب من براثن الفشل المحيط.

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكرا استاذ هاني (مواطن مبدع سابقا)

    الخميس 10 أيار / مايو 2012.
    يوما ما وقبل ثلاث وعشرون عام حملت (عودي) وبعض من المؤلفات الموسيقية كنت قد كتبتها واتجهت الى التلفزيون الأردني وانا ابن ال 18 عاما بعد اتصالات مكثفة مع المسؤول الفني في التلفزيون وبعد تنسيق طويل تم تحديد موعد لمقابلة الأستاذ ايميل حداد - وفعلا كنت على باب التلفزيون تمام الساعة الثامنة صباحا وانتظرت طويلا ليأذنوا لي بالدخول للمقابلة وطالت الساعات وانا على باب قسم الحركة ومر امامي فنانين كثر منهم اعرفه بالإسم وآخر بالشكل ومنهم كان المغني عمر العبدللات (كان وقتها في بداية مشواره) ورمقني بنظرة وابتسامة احترام لأني احمل عود وبادلته التحية - المهم انني مازلت انتظر في القسم حتى انتهاء وقت الدوام ظهرا وبدأ الموظفين والفنانين بالخروج ولمحت الأستاذ توفيق النمري رحمه الله وسلمت عليه وسألني (شو قصتك؟) فقلت له انني احمل بعض الألحان واعزف العود بشكل جيد وارغب بأن يسمعنى احد من المتخصصين لإبداء رأيه والنصيحة الخ - فابتسم وهز رأسه وقال (يا ابني شوفلك مركز موسيقى واتدرب فيه!!) وقلت له انا يا استاذ وبرغم سني إلا أنني أستاذ وأدرس موسيقى في احد المراكز وفي البيت لبعض الطلاب على آلتي العود والكيبورد - فرد علي وأكد ماقاله لي (شو بدك في هالشغلة ما رح تستفيد اشي هون خلص روح روح وضلك اشتغل على حالك) فكانت قمة الإحباط بالنسبة لي وانا ما زلت شابا صغيرا في مرحلة الثانوية احمل طموحات واحلام كبيرة واستدرت عائدا في احد الباصات ولا اعرف كيف سأسدد قيمة المواصلات التي استندتها من احد اصدقائي (دينارين) - فأيقنت وقتها اننا متخلفين ولا مكان للإبداع واتخذت الموسيقى متعة ذاتية فقط في البيت ومن وقتها لغاية اللحظة وانا اعزف لنفسي وداخل بيتي .
  • »لآ تعليق (wafaa)

    الخميس 10 أيار / مايو 2012.
    سلمت يداك .مهما قلنا في هذا الموضوع لن يتغير شــــيء علينا ...كتبت "هذا يعني ان بيننا مبدعين حقيقين ونحن لآ ندري اقول لك نحن ندري ولكن نتجاهل فالتجاهل المستمر لسلوك ما يؤدي الى اختفائه او انقاصه ....فالمبدعين في العالم العربي مهضومين الحقوق او حتى لآ يوجد لهم حقوق اعرف مئات القصص لمثل هؤلآء الأشخاص وبعد التحديات والعراقيل الي واجهوها جلسوا في البيت بدون اي عمل انا ارى في العرب قدرات عقلية كبيرة جدا ولكن لآ احد يهتم لأمرهم فلأنسان عندا يعلم انه يعيش في مجتمع لآ يهتم بالموهوبين يحبط ولا يقوم بأي امر هذا حال مبكي لنا جميعا وانا شخصيا *بنقهر منه لأنه لو اهتمينا بهم لتغيير كل وضعنا الحالي ولكن ما بليد حيلة للأسف الشديد
  • »مؤسسات النجاح ومؤسسات الفشل (منال العمد)

    الخميس 10 أيار / مايو 2012.
    صدق الاستاذ هاني البدري في مقاله الجميل فالمؤسسات التي ترعى الفشل هي اكبر مؤسسات الدولة وليس هناك مؤسسة واحدة فقط ترعى النجاح لان اي مؤسسة تنطلق في هذا الاتجاه تهاجم وتوئد فورا من قبل جهد منظم في الحكومات والبرلمان وحتى بين صفوف الناس العاديين فأين المبدعين الاردنيين على قوائم نجوم العالم العربي في كل المجالات الفن والسينما والموسيقى وكرة القدم ...كله جهد محلي متواضع ومبادرات شخصية وفردية وليس هناك من يشجع ويدعم في الوقت الذي نرى فيه كل مؤسسات الدولة تدعم وتشجع الفاشلين حتى يصلوا الى اعلى المناصب والاستحواذ على افضل المواقع والادوار فتحية لمبادرة الاستاذ الاعلامي الكبير هاني البدري لدعم المبدعين والنجوم في الاردن لعلنا نبدأ اول الخطوات باتجاه مكافحة الفشل والفاشلين ودعم النجاح والابداع والتميز واصحابه.