هاني البدري

سماح..

تم نشره في الخميس 12 نيسان / أبريل 2012. 03:00 صباحاً

مرَّ على تلك الحادثة سنوات طويلة، حين كنا مجموعة من فتيان الحي نجتمع على متن سيارة تقلنا صبيحة يوم العيد، لأداء صلاته في إحدى الساحات المفتوحة بالقرب من عمان، وقتها انزلق سائقنا أبوعبدالله بسيارته لظروف خارج إرادته وتعرضنا لحادث سير مؤسف حوّل صباحات العيد الصغير الى كارثة كبرى في منازل أصدقاء وزملاء مدرسة وجيران، فقدنا بعضاً منهم رحمهم الله وأصيب بعض آخر كنت أنا منهم..
كدت لأنسى تلك الحادثة بل لعلي لم أعد أذكر من الصور والأسماء إلا القليل، توارت الحكاية برمتها الى خلفية الذاكرة حتى إنني لم أعد أتذكر كيف ولماذا كنا هناك على الطريق الخارجي لعمان، وواجهتنا إحدى الساحات لأداء صلاة العيد فيها.. حتى جاءني اتصال من أحد من كانوا على متن تلك السيارة صباح ذلك العيد، كان أخي يبلغني سلاماً من أبوعبدالله، ذلك الرجل الطيب الذي فقد السيطرة على سيارته ذلك الصباح رغماً عنه. فتعرضنا للحادث طالباً بعد كل هذا العمر السماح..
يريدني، وقد بحث أيضاً على ما يبدو عن آخرين ممن كانوا معنا، ان نسامحه على خطأ لم يقترفه، وان نعيد استدراج الذاكرة لنغفر فيما كنا قد نسيناه بالفعل ولم يعد في الخاطر بل لعله لم  يكن موجودا في الوجدان أصلاً.. فهذا قضاء الله الذي لاجدال فيه ولاعودة..
أدركت وقد هز مشاعري ذلك الطلب، كم هي عفية ضمائر الناس التي لاتنسى أفعالها حتى وان كانت خارج إرادتها، وعرفتُ أيضاً أن هذا المشهد لا يتكرر كثيرا في عالمٍ لم تعد تعي ضمائر البشر فيه.. جرائمها التي تحصل كل لحظة..
استعدت فكرة لم أعد أسمعها كثيرا، بل لعلها توارت هي أيضاً الى لاعودة حتى أصبح ظهورها لماماً بمثابة ظاهرة مثل تلك الظواهر الفلكية التي تطل علينا كل بضعة عقود..السماح
لا أود ان أبدو مصلحاً اجتماعياً في الحديث عن فضائل التسامح، لكني استغرب هذا الانزلاق فيما وصل إليه تواصلنا الاجتماعي، حيث لم تعد فكرة التوقف عند الفعل وأثره على الآخرين تأخذ منا بضع ثوان، لنقدر خلالها كم ومن وبماذا وكيف ولماذا، أتينا على هذا الفعل فيما نحن موقنون بحجم الأذى الذي نلحقه بالآخرين..!؟
لأتوقف بعد اليوم، ولا أتخطى لمشاعر الغضب ولا خطوة الى الأمام، بل التموضع والتمترس عند أبواب التهديد والغضب والتلويح بالرد والثأر..!
سألت نفسي متى كانت آخر مرة سامحت فيها، بصراحة لم أعد أذكر إن كانت تلك المشاعر المتضاربة فيما تلقاه الواحد منا من ظلم منظم ومدروس، تكفي لأن تعبر عن السماح أم عن النسيان..؟!
بالنسبة لي، وقد أدركت في نفسي عميقاً أنني سامحت أبوعبدالله الطيب ذا الضمير المعافى "عافاه الله"، حتى دون أن أعرف ان كنت قد حملت عليه أصلاً، عرفت أيضاً أن علي أن أسامح غيره كثيرين، لعلي أنال أيضاً السماح من آخرين.
قرأت مؤخراً أن التسامح والصفح ليس مفيداً للنفس البشرية فحسب بل إنه مفيد لجهاز المناعة في الجسم، فقد ثبت علمياً أن التسامح يؤدي الى تقوية القلب وجهاز المناعة..!
وحسب دراسة حديثة لجمعية الطب السلوكي في ولاية تينيسي الأميركية فقد تم تدريب 300 متطوع في الولايات المتحدة على التسامح لمدة تسع ساعات يومياً، وكانت النتيجة المذهلة أن التسامح ساهم في تخفيض الشعور بالإرهاق، وزاد من ثقة الأشخاص بأنفسهم وتم ملاحظة انخفاض ملموس في حالات الصداع وآلام الظهر والمعدة وتخفيض ضغط الدم والتوتر النفسي والقلق الى مستويات بعيدة.
أرى أن علينا الآن وفي ظل كل هذه التعقيدات التي نعيش، ان ندرك المعاني السامية للصفح، وأن نتخلص من مشاعرنا السلبية التي لاتدمر إلا أصحابها أو أن ندرب أنفسنا على الصفح.. وأبدأ من هنا لأدعو ليومٍ أردني وعربي للسماح، وسامحونا..

 hani.badri@alghad.jo

التعليق