هاني البدري

حمرا!

تم نشره في الخميس 29 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً

أما وقد قرر النواب في موقعتهم الأخيرة أن يمنحوا أنفسهم مزايا جديدة، تضاف إلى ما جنوه جراء جهودهم البرلمانية والتشريعية (المهيبة)، فقد وضعوا أنفسهم بقرار، على الجانب الآخر من جماهير ناخبيهم الذين دفعوا بهم إلى قبة البرلمان.. لغير هذا حتما.
هكذا التف السادة النواب ليجمعوا غنائمهم قبل الفصل الأخير من دراما برلمانية طالت، أشبه ما تكون بالمسلسلات التركية بكل ما أتت عليه من مفاجآت وسقطات ومشاهد أكشن مثيرة.
أنجزوا قانونا يمنحهم وعائلاتهم احمرارا أبديا في جوازات السفر، خلال دقائق، ودون أدنى جهد.. فيما عشرات مشاريع القوانين تركن في الأدراج الخاوية.. كافأوا أنفسهم بأيديهم طالما أن أحدا في الحكومات المتعاقبة لم تثمر فيه كل جلسات الثقة بأرقامها القياسية، ولجان التحقيق النيابية ومسلسل البراءات المتتالية.. فرزوا أنفسهم على الجانب الآخر منّا نحن المواطنين (الخضر).
حين تابعت جلسة الجوازات الحمراء تذكرت صديقي الدبلوماسي الذي كان، مع سبق الإصرار والترصد، يسمح لطرف جوازه الأحمر أن يطل عبر جيب قميصه الأبيض، ليقول للعالم.. أنا منهم، من عالم آخر غيركم أنتم البسطاء من أصحاب الجلدة الخضراء.
فلماذا إذن جوازات حمراء أزلية لنواب أمضوا فترة نيابتهم يقارعون ناخبيهم وقواعدهم الانتخابية ويجاملون الحكومات ورؤساءها، ولوزراء لم يقض بعضهم إلا أياما معدودة داخل الحكومات قصيرة العمر والنظر.. فيما آخرون ممن عملوا وضحوا (بجد) خارج التركيبة.
كيف يمكن لوزير قضى 43 يوما في حكومة الـ111 أن يتحصل على جواز أحمر فيما ضباط كبار ورؤساء هيئات أركان ومسؤولون كان منوطا بهم يوما، حماية تراب الوطن وأمن الناس وحراسة عيون البلد.. في الطرف الآخر، رغم أن هؤلاء بعطائهم أكبر من كل الألوان والجوازات.
طيب، ماذا بعد أن تحصلوا على جوازات حمراء، ماذا سيختلف في نظرتكم إلى الحياة وإلى أنفسكم ووضعكم وإلى شعبكم الذي وفى بوعده معكم حين انبرى لصناديق الاقتراع وانتخبكم، في حين لم تنبروا ولو مرة لجبر خاطره المكسور من خذلان يجر خذلانا.. وأنتم مشغولون بموقعة الغنائم القادمة.
بهكذا صورة، أردتم أن تتوجوا نجاحاتكم في التمرير والتسكين والتبطين والتحصين، هذه هي جائزتكم الكبرى التي لا يعرف شعبنا الفقير إلى الله، الذي لم يختبر طعم اللون الأحمر على وثائقه يوما، قيمتها وكيف يمكن أن تكون جوازا للمرور باحترام.. لعلكم فقدتم جوازا آخر أكبر كان يمكن أن تعبروا به بحب لقلوب الناس.
تذكروا سادتي الأعزاء؛ أن وجدان شعبنا البسيط عرف الآن إن كان المرشح ذو الجواز الأحمر يستحق زيارتي لمقره الانتخابي القادم أم لا.
نحن بسيطون يا سادة والصورة الانطباعية إحدى أهم سماتنا البريئة، ولا أظن أن جوازاتكم الحمراء يمكن أن تغيب عن ذهنية ناخبيكم حتى لو تغاضت عنها عمدا بياناتكم الانتخابية.
لن تمحو جوازاتكم الحمراء تلك الذكريات السوداء التي تعلمنا منها درسا قاسيا أعتقد أن مواطننا من الذكاء الذي يمنعه من تكرار التجربة.. مرة أخرى.
تذكرت في غمرة احتفالات بعض السادة النواب بجوازاتهم الحمراء التي تضمنت إساءة واضحة لزملاء إعلاميين وصحفيين.. مثلا يقوله إخوتنا في الشام يختصر المشهد.. "يا بتدلعني، يا بزعل".
هكذا عبَر النواب من جديد عن ضيق صدرهم.. مثل الحكومات تماما ومثل المسؤولين الكبار المحصنين، الذين تأسرهم كلمة الحق فتضيق صدورهم وتنطلق ألسنتهم وأيديهم ليسكتوا كل من يعارض.
هذه هي الحياة إذن التي تعلمنا كل يوم أن المسار الخاطئ لا يفضي إلا إلى خطيئة، وقد بدأ مسارنا خاطئا حين استباحت الحكومات صناديق الاقتراع واستبدلت إرادة الناخبين وأصواتهم.
جوازات حمراء.. لماذا كل هذا الشغف بالأحمر والتفاني من أجله..؟!
للتباهي كما قال احدهم.. أم أن للأحمر في قاع جمجمة ثقافتنا وهجا خاصا ومذاقا..! دفع بنواب على عتبة صفحتهم الأخيرة أن يخاطروا بقواعدهم وأحلام عودتهم.. وأن يفرزوا أنفسهم عن رموز وطنية حقيقية قدمت بغير ما قدموا.
يعدكم المشهد الآن أن مجلسا حقيقيا للنواب المنتخبين عبر الصناديق وعلى قاعدة التزام دون ألوان.. سيعيد إلى المجلس والعمل البرلماني حمرة الخجل.
ولعلها فعلا كما يقول أشقاؤنا المصريون بخفةِ دمهم اللاذعة.. هي حمرا.. هي فعلا أصبحت حمرا.. بامتياز أردني.

hani.albadri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال رائع (أبو فيصل)

    الخميس 29 آذار / مارس 2012.
    أستاذ هاني البدري .. في مقالك اليوم أنت في قمة الروعة و خفة الظل .. و قد أمتعتنا بقراءتك للموضوع من زاوية مختلفة فشكرا لك ..
  • »منافع غير متبادلة بين النواب والوطن (منير ابو الراغب)

    الخميس 29 آذار / مارس 2012.
    مجلس نواب ادخل الخاص بالعام وغلب مصلحته ومنافعه على كل قضايا الوطن صدق الاستاذ الكاتب الا تذكرون جلسات التقاعد انها منافع غير متبادلة بين السادة النواب الافذاذ والوطن
  • »باختصار (اردني بيفكر حاله بيفهم بالديموقراطيه)

    الخميس 29 آذار / مارس 2012.
    سيد هاني مرحبا :

    حتى نختصر كل الموضوع , يجب التركيز على الفرق بين تفضيل النفس ام تفضيل الوطن .

    الوطني هو من يفضل وطنه على نفسه ..

    اما بعض هؤلاء الذين يدعون بانهم نواب عن الشعب , قد فضلوا انفسهم على وطنهم ..

    وعلا ..يابلادي ..علا...