د.باسم الطويسي

أشياء تموت ولا شيء يولد

تم نشره في الاثنين 20 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً

في الحفر بعيدا في المقدمات والنتائج، نجد أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها الأردن، مقابل حالة الجمود السياسي، تدفع نحو إعادة التفكير في تعريف المشاركة في بُعديها السياسي والتنموي، تمهيدا للإجابة عن السؤال المركزي: لماذا يتراجع الرضا العام عن أداء مؤسسات الدولة ونخبها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الربيع العربي ليس الأداة الدقيقة لتفسير تحولات المشهد الأردني؟
فقد مضى الزمن الذي كانت فيه الدولة الأردنية قادرة على توفير قنوات وتقاليد قادرة على استيعاب الناس وحاجاتهم وأولوياتهم، وقادرة على غربلة المطالب وإعادة تصنيفها وترتيبها حسب الأولويات، وقادرة على نشر الرضا العام وإن افتقد أحياناً إلى العدالة. وقد مضى الزمن الذي جسد فكرة الدولة الضامنة لمواطنيها، ليس بالاستبداد ولكن بالارتكاز على عقد اجتماعي تضامني له قاعدة مادية وأخرى معنوية لا تقل قيمة عن الأولى.
مفهوم الدولة الضامنة لمواطنيها يعكس أحد الوجوه غير الواضحة للعقد الاجتماعي. فالضمانة لا تتوقف عند حدود صياغة العلاقة بين الدولة والفرد والمجتمع على قواعد الحقوق والواجبات والانصياع والأمن، بل إن فكرة الضمانة تتجاوز كل ذلك نحو الإحاطة بمصادر الرضا العام وتطوير أدوات لمتابعتها، والتعرف عن كثب على كل مصادر الاحتقان.
الانحياز لفكرة الدولة الديمقراطية الوطنية، بآفاقها المدنية الرحبة، بدون وجود إنجازات على الأرض، وبدون وضوح عام للخيارات أو على الأقل خريطة طريق قابلة للتوافق حولها؛ كل هذا خلق سلسلة من التحديات تبدو اليوم على شكل أزمة مركبة ومعقدة، ترجع في عمقها وأسبابها إلى سلوك المؤسسات وسلوك النخب الرسمية وخياراتهما غير المستقرة وغير الناضجة وغير المسؤولة، بينما يبدو ثقل مخرجاتها في المجتمع وفي تعبيراته اليومية، في تراجع كفاءة المخرجات العامة، وسيطرة نمط من الثقافة السياسية الانتهازية، ثم في موجة العنف الاجتماعي، وأخيرا في أنماط متعددة من الاحتجاج والعصيان والتعبيرات المحتقنة، وغدا لا أحد يعرف ماذا تأتي به الأيام.
حتما، لا يمكن الأخذ بأن الربيع العربي وحده يفسر تحولات العلاقة بين المجتمع والدولة. إن الإجابة عن هذا السؤال المركزي يذهب بعيداً في عمق ممارسة المشاركة؛ كيف تم تفريغ قنوات المشاركة التقليدية التي نقر جميعها أنها أدنى من فكرة الدولة المدنية؟ تم ذلك بدون أن تقدم بدائل ممكنة؛ فالوجه الآخر للمشاركة هو المسؤولية، أي أن يصبح المجتمع شريكاً في تحمل المسؤولية جنباً إلى جنب الدولة، لا أن يتحول إلى أداة للإطاحة بالتنمية والتقدم والأمن. فعلى مدى العقدين الماضيين، تم تفريغ أشكال المشاركة الاجتماعية والسياسية التقليدية من مضمونها، ولم يتم ملء الفراغ؛ مات من مات ولم يولد جديد، بل تمت إعادة إنتاج أشكال مشوهة منها، وأغلقت أخرى تحت وطأة التحولات الهيكلية في الاقتصاد والسياسة.
المشهد الأردني في هذه اللحظة يضعنا أمام أربع أزمات مركزية، تفسر مسألة تراجع الرضا العام: الأولى، تراجع الكفاءة العامة المتمثلة في تراجع جودة الأداء العام للمؤسسات العامة نتيجة عوامل مركبة، أهمها عوامل بنيوية في تكوين النخب الحكومية، ويمتد ذلك إلى حلقات متعددة أهمها الفساد؛ والثانية، الفجوة التنموية التي تنعكس في رداءة نوعية الحياة للقواعد الاجتماعية الواسعة، مقابل الثراء السريع والإنفاق المفرط ومظاهر المجتمع الاستهلاكي في خاصرة الدولة، ما ينتج يوميا مشاعر السخط والرفض وأشكالا متعددة من الاحتجاج؛ والثالثة، تفكيك أشكال المشاركة التقليدية بدون تقديم بدائل موضوعية أو التقدم في الإصلاح السياسي المؤجل منذ عقدين، ما أغرى بوجود تعبيرات مشوهة في تعبيرات اجتماعية محلية وأخرى سياسية مستوردة؛ والرابعة، الأزمة الاتصالية والإعلامية المتمثلة في عجز النظام الاتصالي الرسمي عن توفير قنوات اتصالية وإعلامية كفؤة، تربط المجتمع بالدولة وتوفر منابر للتعبير الاجتماعي السلمي وتعمل على إحلال وغرس ثقافي لقيم الدولة، وتوفر مجالا عاما للنقاش النزيه.
أشياء كثيرة تموت؛ ضمانات هشة للاستقرار، أشكال تقليدية من المشاركة، توازنات موثوق بها وأخرى غير موثوق بها.. ولكن لا شيء جديدا يولد.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق