ضحى عبد الخالق

حُريةٌ مطلقة.. قوّةٌ مُطلقة!

تم نشره في الثلاثاء 31 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 31 كانون الثاني / يناير 2012. 12:29 مـساءً

نستخدمُ موقع "ويكيبيديا" كثيراً ويسوؤنا توقُّّّفه ولو لساعات، فهو الموقع الإلكتروني الأشهر الذي يُقدّم موسوعة علمية وثقافية لمواطني العالم وينشرُ العلومَ والمعلومات بعدد كبير من اللغات مقابل اشتراك بسيط على الإنترنت.  وجاء قرار الإغلاق اعتراضاً من الموقع على مشروع لقانوني (القرصنة وحماية حقوق المؤلفين والملكية الفكرية على الإنترنت)، وهي قوانين قد يُمررها "الكونغرس" الأميركي في وقت قريب وستحمل معها بعض المُحددات لعدد كبير من الناشرين ومستخدمي الشبكة العنكبوتية، في الوقت الذي يُعتبر فيه الموقع رمزاً لحرّية النشر ومنبعاً للمعرفة العالمية المشتركة، وهناك أيضاً من يرفض كل أشكال الرقابة على الإنترنت.
ويُمكن هنا استدعاء نقاش طويل في فلسفة الحُرّية أساسه "في القوّة المطلقة إفساد مُطلق". وللتذكير فقد تبلورت بمثل هذه القناعات براغماتيكيات نُظم الحُكم في العالم الجديد، والتي قامت بدايةً (بشكم) السلطة وبتوزيعها ثم ترعرعت بعدها الأنظمة الديمقراطية بمبدأ سيادة القانون وبالشورى لضمان تعاقب السلطات وتداولها والفصل بينها. ولهذا يقومُ الآن عددٌ كبير مرتبط ومتشابك من اللاعبين وأصحاب العلاقة في إدارة الحكم الواحد،  بإجراء توازنات دائمة وباتّخاذ قرارات دقيقة ومؤلمة عند ممارسة الحُكم، أساسها يقومُ على توزيع السلطة، أي على توزيع القوّة!  
وفي (الحُريّة الُمطلقة) رُخصةٌ أكيدةٌ بأن تكون قادراً على أن تفعلَ ما تشاء بحُرّية تامّة بلا قيود وبلا حساب وبلا عواقب وبلا تقدير لنتائج هذه القوّة، وهي تُمارس على الآخرين. وعليه يُمكن الاستنتاج أنّ الحُريّة المُطلقة على الإنترنت هي إذن (قُوّة مُطلقة) وهي سلاحٌ  ولاحظنا بأن كل التعاملات على الإنترنت، جاءت بدايةً ضمن عالم افتراضي وهو جديد مُغر ومُدهش ومفتوح تماماً، صال ويجولُ به المستخدمون بحرّية مُطلقة وبدون ضوابط  تُذكر حتى تاريخه.
وفي المحور الأخلاقي، عندما قال البارون "جون إدوارد أكتون" المؤرخُ والباحثُ الأخلاقي في القرن التاسع عشر بأنّ: "القوّة  مفسدةٌ؛ وبأنّ القوّةَ المُطلقةَ تُفسد الرجال على الإطلاق". أضاف إلى مقولته الشهيرة تلك جملة أخرى وهي.."أنَّ الرجال العُظماء هم في الأعمّ الأغلب من الحالات رجال أشرار!". فهل يُمكن الاستنتاج إذن بأنه كلما أعطيت حُريّة مُطلقة على الإنترنت فأنت بذلك تمنحُ قوّةً أعظمَ ولعدد أكبر من الرجال الأشرار والفاسدين؟
ربما! ولكن ضمن مُنطلقات القرن الواحد والعشرين التي تبتدئ بفرضيّة مغايرة تماماً، وهي أنّ مُعظمَ الرجال هم رجالٌ طيّبون لحين إثبات العكس، هذا ومن الصعب أيضاً تقسيم الإنترنت إلى عالم يسكُنه أخيارٌ وآخرون أشرار! ولكن من الأسهل والمفيد إجراء تقييم للأعمال بنتائجها فهي إمّا أن تكون أعمالا نافعة أو ضارّة، وما يضرُّ الناس إذن فهو على إطلاقه فعل ضار. وعليه أتوقّّّع أن يطولَ النقاش في "الكونغرس" الأميركي حول القانونين ولن ينتهي بتمريرهما بشكلهما الحالي. وأجزم بوقوع العديد من التعديلات المُرتكزة على مبدأ التوزيع التوافقي للقوّة على الإنترنت بين عدد كبير من أصحاب العلاقة، وحماية لعدد أكبر من الحقوق المتأثّرة حتماً بشكل أو بآخر، بفعل ضار.
هذا وقد أتّفقُ شخصياً على رقابة جُزئيّة على الإنترنت منعاً من تغوّل (الكل على الكل)، أي منعاً لمفسدة مُطلقة!.

*خبيرة في تكنولوجيا المعلومات

التعليق