كيف ومتى تكون الديمقراطية مصلحة مجتمعية؟

تم نشره في الأربعاء 25 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً

سيكون أسهل عمل في التفكير الإصلاحي هو وصف أهدافه وآلياته السياسية (وهو ما سأفعله غدا). ولكن هذه الوصفة والآليات السياسية لا يمكن الانتفاع بها إلا بمقدار ما نستطيع أنا وأمثالي توظيف قانون تشجيع الاستثمار أو الاستفادة من فرصة إتاحة الكافيار في السوق بحرية تامة.
كيف توظف المجتمعات الديمقراطية وتجعلها نظاما اجتماعيا سياسيا لا يمكن التخلي عنه أو التراجع عنه أو العبث به، أو تغييره بدون موافقتها وملاءمته لمصالحها وتطلعاتها؟ نتحدث كثيرا ونتظاهر ونشارك في الندوات والتجمعات والصالونات، ونسافر ونكتب، ونبذل جهودا كثيرة مشغولين بالخيار الأسهل، وهو الإجابة السياسية للإصلاح: الانتخابات وقوانينها، والديمقراطية بعامة، والأحزاب السياسية. ولكنّا (مجتمعات وأحزابا وحكومات) نتجنب الحديث عن مسؤولية المجتمعات ومشاركتها ودورها فيما يجري، وفي ذلك فإن الإصلاح الجاري الحوار حوله إن تحقق سيزيد في تهميش المجتمعات وإضعافها، حتى لو قدم لها قوانين انتخاب عادلة وإدارة ديمقراطية ونزيهة!
فإذا لم تبادر المجتمعات إلى تنظيم نفسها حول مصالحها وأولوياتها، وتطوير المؤسسات المعبرة عنها (بلديات ونقابات وتعاونيات ومنظمات مجتمع مدني ووسائل إعلام وتجمعات عفوية غير منظمة..) لتكافئ حصولها على مطالبها وأولوياتها، وإذا لم تحدد المجتمعات أولوياتها بوضوح ودقة ثم تحدد الفرق بين واقعها القائم وتطلعاتها، فستكون جميع الإصلاحات السياسية والدستورية والتشريعية والإجرائية كما يقول المثل "تأخذ الحصان إلى الماء ولكن لا تستطيع أن تسقيه!".
وفي مؤشر قياسي وكمي لمستوى سوية المجتمعات الاقتصادية والثقافية، وملاحظة قدرتها على المشاركة السياسية والعامة وحماية الديمقراطية ومواجهة الفساد وتحسين حياتها وحماية مواردها وأسلوب حياتها، يجب أن تملك المجتمعات من الموارد ما يمكّنها من المساهمة في سوق العمل وتوليد فرص التوظيف المستقلة عن الحكومة والشركات بنسبة مكافئة/ قريبة للقطاع العام والقطاع الخاص، وهذه النسبة في الأردن تقل عن واحد في المائة (1%!!)؛ وأن تكون المجتمعات قادرة بذاتها على إدارة وإنشاء احتياجاتها الأساسية (التعليم الأساسي، السلع الأساسية، الرعاية الصحية والاجتماعية، المساجد والكنائس، النوادي الرياضية، المكتبات العامة، الحدائق العامة، المؤسسات الثقافية، وسائل الإعلام المحلية)، وقادرة على التأثير والمشاركة في تنظيم حياتها (تخطيط المدن والأحياء والبيوت والطرق وتصميمها)، وإنشاء أسلوب حياة وسلوك اجتماعي مطابق للموارد والأعمال وينميها ويجددها ويزيدها جمالا، وأن تكون المجتمعات قادرة على إنتاج واستهلاك منتجات ثقافية وإبداعية (رواية، قصة، شعر، سينما، دراما، مسرح، فنون تشكيلية وبصرية، موسيقى، تصميم)، تجعل من الصناعات الثقافية والإبداعية استثمارا اقتصاديا ناجحا يعود على المجتمعات ومؤسساتها بالموارد الاقتصادية، وآفاق ومجالات واسعة للتأثير والمشاركة والارتقاء بالحياة والموارد، وأن تنتج وتستهلك منتجات إعلامية (من صحف وإذاعة وتلفاز وإنترنت) على النحو الذي يجعل المؤسسات الإعلامية مجتمعية أو مرتبطة بالمجتمع وقادرة على الاستقلال والربح والتأثير وإسماع صوت المجتمعات.
وبغير الحصول على هذه المؤشرات، فإن الإصلاح سيظل (إن كان صادقا وحسن النية) فوقيا معزولا مهددا.. وبائسا أيضا، لا يكاد يختلف عن مشهد رجل كبير يحصل على غذائه بزجاجة حليب (رضاعة) يقدمها له الآخرون!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »>>>>> (هيثم الشيشاني)

    الأربعاء 25 كانون الثاني / يناير 2012.
    بانتظار الغد إذن :) "وصف الأهداف"