عيسى الشعيبي

قم للمعلم واقعد مع الجنرال

تم نشره في الجمعة 2 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

استعاد أصحاب الذاكرة القوية على الفور مشهداً للجنرال كولن باول، وزير الخارجية الأميركي الأسبق، مماثلاً للمشهد الذي بدا عليه السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري، وهو يعرض في مؤتمره الصحفي الأخير مقاطع فيديو لجثث مذبوحة وأجساد مشوهة، قال إنها فظاعات من فعل عصابات إرهابية مسلحة ارتكبتها في حماة وجسر الشغور.
ففي الخامس من شباط (فبراير) 2003، أي قبل الحرب العدوانية على العراق بنحو شهر، عرض أول وزير خارجية أميركي من أصل أفريقي، أمام اجتماع لمجلس الأمن عقد على مستوى وزراء الخارجية، صوراً من الأقمار الصناعية لما قال إنه معامل أسلحة كيماوية وبيولوجية محمولة على عربات متنقلة جرى إخفاؤها عن أعين المفتشين الدوليين.
ومع أن هناك فوارق لا حصر لها بين المشهدين المتباعدين في الزمان والمكان، إلا أن القاسم المشترك الأعظم بينهما هو التزوير كمبتدأ والفضيحة كخبر في جملة لم تكن من وضع وزيري الخارجية، هذين اللذين وقعا ضحية لعبة مخابرات صرفة، الأولى تم كشفها بعد أسابيع معدودات والثانية بعد ساعات فقط.
وفيما أبدا كولن باول، الجنرال المتقاعد ذي النجوم الأربعة، شكوكاً ضمنية بصدقية رواية مدير الـ (CIA)، حيث أجلس جورج تنيت أمام الكاميرات في مقعد خلفه، وراح بنبرة رصينة على مدى نحو ثمانين دقيقة يعرض الصور والمقاطع والأشرطة الصوتية، لم يفكر وليد المعلم للحظة واحدة، وربما ممنوع عليه أن يفكر، فيما إذا كانت فيديوهاته تلك مفبركة.
في الحالة الأولى، وعندما اكتشف وزير خارجية جورج بوش الابن أن وكالة المخابرات المركزية كانت قد زورت المعلومات وفبركتها لغاية مكيافيلية، أبدا الجنرال أسفه وألمه، ثم استقال معلناً أن ذلك سيظل وصمة عار دائمة في سمعته الشخصية، ونقطة سلبية في سجله المهني داخل الجيش وفي الحياة المدنية.
لقد كان كل المحيطين بكولن باول يعلمون مسبقاً أن تلك المعلومات كانت غير حقيقية، فبدا هذا الرجل وكأنه المغفل الوحيد في لعبة الكاميرا الخفية، الأمر الذي استثار غضبه وملأ فمه بالمرارة.
ولعل السؤال هو: هل يستطيع وليد المعلم المجازفة ذات يوم بإعلان الندم، أو حتى الإعراب عن شعور بالغصة، جراء تضليله من قبل النظام الأمني الذي ضلل رأس النظام ذاته، حين أحضرت له الأجهزة ذات فترة مبكرة من زمن الانتفاضة السورية المتواصلة، عدداً من تجار المخدرات والمساجين في إحدى المدن المنتفضة، وأجلسوهم في القصر الجمهوري ولقنوهم الكلام، باعتبارهم وجهاء المدينة وأعيانها، لحوار الرئيس معهم؟
ولا يحتاج العارف بسطوة النظام الأمني المتوحش التفكير ملياً، كي يستنتج أن المعلم الذي ضرب ضربته الطائشة في الهواء، ليس في مقدوره القيام بفعل ندامة كما فعل كولن باول، ولا حتى إبداء الامتعاض إزاء تضليله على هذا النحو الساذج، وذلك لإدراكه مدى شدة العقاب الذي سيصيبه هو وأبناؤه وفروعه وأصوله إن كشر في وجه أحد من أسياده.
ونحن إذ نعقد هذه المقارنة الظالمة حقاً بين وزيري خارجية مختلفين لبلدين أشد اختلافاً عن بعضهما البعض، فذلك كي لا نحمل وليد المعلم الذي شطب أوروبا عن الخريطة أوزاراً إضافية لا طاقة له عليها، وإنما كي نبرز مدى بشاعة الوجه الأمني لنظام أمعن في تضليل نفسه والكذب على الآخرين بحكاية المؤامرة، ثم وقف مشدوهاً متعجباً كيف لم يعد هناك من يشد على يديه أو من يصدقه.

التعليق