جهاد المحيسن

مقاربات في الحرية والعقد الاجتماعي "2-1"

تم نشره في السبت 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 02:00 صباحاً

جزء من المشهد الحالي في العالم العربي يعيد إلى الذهن كثيرا من معطيات التغيير الثقافي والمعرفي التي عصفت بالمجتمعات الأوروبية قبيل وبعد الثورة الصناعية والثورة الفرنسية العام 1789. فقد بقي هاجس الحرية الأكثر سحرا لدى مفكري تلك المرحلة، وخصوصا التحرر من سلطة الكنيسة والإقطاع والنظم الحاكمة.
وتبقى الحرية هذه الفاتنة، التي احتلت الركن الأساسي في تحديد ماهية الإنسان، حتى إنها رادفتها لدى العديدين، وجعلت بذلك عمادا لإنسانية الإنسان، وأداته لأنسنة الحياة وجعلها تنسل بمعان تتجاوز مجرد ما هو كائن، ومحض الخضوع للسلطة الدينية والسياسية.
ما يحدث في العالم العربي يشكل حالة جديدة تتجاوز يأس النخبة وآمالها في الآن ذاته. فتسارع الأحداث تجاوز أفق انتظارها وتنظيرها معا، فكان أن استنشق الناس هواء الحرية التي كبتها ردح طويل من الاستبداد الذي ما انفك يتوالد من انقلاب عسكري إلى آخر، محجّما الآمال ومجهضا الأحلام، متمخضا عن المزيد من الخيبات وعن غير قليل من النكبات، من دون أن تحدث الثورة الشعبية مثلما هو حاصل الآن. ولأن النظر إلى الحاضر لا يستقيم إلا بالالتفات إلى الماضي والانفتاح على الآخر، من دون الارتهان للأول ولا الوقوع في شرك الثاني، تماما مثلما أن قيادة السيارة  لا تستوي ولا تكتمل عملية إدراك فضائها إلا بما تعكسه المرايا، فإنه من اللازم، ولو في عجالة، الالتفات إلى الشكل الذي ارتسمت به الحرية كمفهوم في فكر أبرز منظري الثورة الفرنسية، والذي اعتبر كتابه "في العقد الاجتماعي" إنجيلا لها. فكيف تتحدد الحرية داخل فلسفة جان جاك روسو كواحد من فلاسفة الأنوار الذين غذوا التقليد الديمقراطي؟
لإبراز المكانة المركزية التي يحتلها مفهوم الحرية ضمن فلسفة جان جاك روسو السياسية، يكفي تأمل هذا المقطع الوارد في كتابه العمدة "في العقد الاجتماعي أو مبادئ الحق السياسي": "ولد الإنسان حرا وهو في الأغلال حيثما كان. ذاك يظن نفسه سيد الآخرين وهو ما انفك أكثرهم عبودية. ترى كيف حدث هذا التغيير؟ ذاك أمر أجهله. ما الذي يمكن أن يجعله مشروعا؟ أظن أن بإمكاني حل هذه المشكلة".
أول ما يستفاد من هذا القول لروسو، هو أن الحرية معطى أول بالنسبة للإنسان. فالحرية لا تبارح الماهية الإنسانية، بل هي وثيقة الصلة بها بشكل طبيعي. ففي التمثل الافتراضي لحالة الطبيعة يصور الإنسان في وضع يتوافق مع ماهيته، إذ ينعم بمفرده بإحساس الوجود. فالشخص يلتذ بذاته دونما حاجة إلى العلاقة، ويستقل بذاته بلا قسر، ويشعر بالرضا حين يحس حياته الخاصة في ذاته. ففي حالة الطبيعة الحرية هي في المقام الأول ولا حاجة لأن تؤسس، إذ هي ملازمة لطبيعة الإنسان ذاتها، حتى إنه يمكننا اعتبارها صفته الجوهرية.

[email protected]

التعليق