محمد برهومة

هل يكفي أن تعرف مصر ما لا تريد؟

تم نشره في الجمعة 9 أيلول / سبتمبر 2011. 02:00 صباحاً

قيل في فترة حكم الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك الكثير عن تراجع الدور الإقليمي لمصر. ومع ثورة 25 يناير التي كانت ثاني الثورات العربية الحديثة بعد ثورة تونس، ما نزال نشهد مزيدا من التراجع في الدور الإقليمي للقاهرة. سيقال إن مصر منهمكة الآن في ترتيب أوضاعها الداخلية، وهي تخوض مرحلة انتقالية ومخاضا قاسيا لبناء شكل جديد للبلاد يقوم في جوهره على الاستماع للناس والشعب وتلبية مطالبهم. هذا صحيح ومفهوم، لكن تحولات استراتيجية تشهدها المنطقة قد تفرز على المدى المتوسط أو البعيد نظاما إقليميا جديدا، وتوزيعا مختلفا لخريطة القوى والمصالح والمحاور، ولا يعفي أحد القول إنه كان مشغولا عندما كانت تلك التحولات تتشكل.
لقد تأخرت مصر، مثلا لا حصرا، في اعترافها بالمجلس الوطني الانتقالي في ليبيا، وترددت وما تزال مترددة إزاء الأزمة الطاحنة في سورية. وأمام انشغال مصر بأوضاعها الداخلية ومرحلتها الانتقالية، وأمام انفتاح السيناريوهات المختلفة لما ستسفر عنه الأوضاع في سورية، فإنّ ثمة تغييرا استراتيجيا يتبلور يمكن منذ الآن الإشارة إليه، هو انخفاض أهمية مصر وسورية، وانفتاح احتمالات أن تؤدي أحداث سورية إلى إضعاف النفوذ الإيراني فيها وفي لبنان، في مقابل ارتفاع في التأثير الإقليمي لدول مثل تركيا ودول الخليج والأردن.
القاهرة، التي كانت العمود الفقري فيما عُرف بـ"محور الاعتدال" في المنطقة، لا تهدف اليوم، وهي تنهمك في هذه المرحلة بترتيب بيتها الداخلي وتأمين الأمن والاستقرار، إلى بناء محاور أو الانخراط في استقطابات حادة في المنطقة. والمقاربة المصرية لما يجري في ليبيا اتسمت بدرجة عالية من التحفظ، بخلاف الانخراط القَطري والتركي والإماراتي والأردني مثلا. لكن، منذ متى خلت هذه المنطقة من العالم من المحاور والاستقطابات والفرز والاصطفافات وتدافع المصالح واشتباكها؟
رغم التغير الذي أصاب العلاقة المصرية-الإيرانية عقب ثورة يناير، فإن من الباكر التنبؤ بآفاق هذه العلاقة وتأثيراتها في موقع كل من مصر وإيران في الإقليم. إذ إن البيئة الإقليمية ما يزال فيها قدر عال من السيولة، كما أنّ جزءا مهماً من آفاق العلاقة المصرية-الإيرانية مرتبط بأي عناصر جديدة قد تطرأ على طبيعة العلاقة بين مصر وإسرائيل، وهذا أيضا مرتبط بالانتخابات المقبلة في مصر وتطورات الأحداث على الأرض إنْ في غزة أو على الحدود المصرية-الإسرائيلية. وقد كانت أحداث سيناء منتصف آب (أغسطس) الماضي اختبارا للعلاقات المصرية-الإسرائيلية بعد سقوط نظام حسني مبارك، ولمعاهدة السلام بين البلدين. وأظهرت محصلة استجابة الطرفين لتلك الأحداث أن إعادة النظر في مستوى العلاقات الدبلوماسية أو مراجعة التزام المعاهدة ليس في وارد أولويات أيّ من الطرفين حاليا.
مصر ما بعد مبارك لا تريد العداوة مع إيران، ولا تريد، على الأغلب، إلغاء كامب ديفيد، وجاءت ثورتها على وطأة شعار: لا للتوريث. لكن هل تريد مصر اليوم نظاما جمهوريا رئاسيا أم برلمانيا؟ ماذا تريد مصر الجديدة من دول الخليج؟ وهل يتناقض هذا مع ما تريده من إيران؟ ماذا تريد من السلطة الفلسطينية، وماذا تريد، في المقابل، من "حماس"؟.. إلخ.
إنه لا يكفي أنْ تبتعد عمّا يضرك، بل يجب أيضا أنْ تعرف وتذهب إلى ما يفيدك ويصلح لك. ومصر العزيزة اليوم تكاد تعرف ما لا تريده، لكنها على الأرجح لم تبلور بعد ما تريده. والسيئ في الأمر أنّ أهم صفات من لا يعرف ماذا يريد: التحفظ والتردد والارتباك، وتبني المتناقضات، وغياب المبادرة والدور.  وفي المحصلة: تأثر المصالح والمكانة والدور!

[email protected]

التعليق