علاء الدين أبو زينة

"إسرائيل": الاعتذارُ، بِدايةً!

تم نشره في الأحد 4 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً

عن شالوم هاراري، الاختصاصي السابق في استخبارات دولة العدو الصهيوني في الشؤون العربية، نقلت مجلة التايم قوله مؤخراً: "لقد تغيّر المعمار السياسي والاستراتيجي للشرق الأوسط. وبالنسبة لإسرائيل، من المهم جداً الإبقاء على العلاقات مع مصر –أو ما تبقى من العلاقات مع مصر".
وعلى الجانب الآخر، تسلّق الشاب المصري أحمد الشحات البرج القاهري الذي يؤوي سفارة العدو، وأنزل نجمة داود من السماء العربية. وبعيد حادثة قتل العدو خمسة جنود مصريين في آب (أغسطس) الماضي، وعلى موقعه في "تويتر"، كتب عمرو موسى، وزير الخارجية وأمين الجامعة العربية السابق والمرشح الرئاسي الحالي: "على إسرائيل أن تدرك أن الأيام التي كان يتم فيها قتل أبنائنا من دون رد فعل مناسب وقوي، قد ولت إلى الأبد". وكان هذا إعلاناً عمّا يحسّه المصريون والعرب جميعاً، ويعرفونه من القلب: ليسَ من المهم الإبقاء على العلاقات -أو ما تبقى من العلاقات، مع كيان عدواني وغير شرعي.
بهذا الشكل، تبدو الأمور وأنها في طريقها إلى التطبيع، أي أن تكون طبيعية. وقبل ذلك، كان عنُق المنطق ملتوياً حدّ الإيلام، والأمور غير طبيعية حدّ الغرابة. ففي الحقيقة، لم تكن هناك علاقات بين الشعب المصريّ الحرّ ولا غيره من الشعوب العربية، وبين عصابات المستوطنين القادمة بنية العداء والقتل. والذي كان يجري، هو بالضبط تسليم الأنظمة العربية غير الوطنية شعوبها مقيّدة اليدين لعدوّ مُتغطرس متسلّح بالخُرافة.
بالمنطق البسيط، لا يستطيع أيّ تنظير عن التوازنات والتقسيمات الاستراتيجية أن يبرّر للمواطن العربي العادي الذي يدرك الأشياء بحدسه، كيف يمكن لكيان إجرامي فاقد للشرعية القانونية والإنسانية، وقزم الحجم بكل المقاييس، أن يتصرف بصلف أمام الشعوب العربية العملاقة وصاحبة الحقّ أيضاً. وبينما شرعت الشعوب العربية في إسقاط الأنظمة العربية "التي لا تُقهر" تباعاً، فقد شرعت معها بإسقاط أسطورة الغول "الإسرائيلي" المُخيف التي ظلّوا يحكونها لنا قبل النّوم مذ كنّا أطفالاً. ومثلما تبينّت هشاشة الأنظمة المحليّة الأشبة بأصنام حجريّة مهترئة يُمكن إسقاطها بضربة فأس مركّزة، فإنّنا نعرف مُسبقاً أنّ الكيان القزم في فلسطين المحتلة ليس أكثر من نمر من ورق. أمّا وسيلته للاستقواء، فثقة انتحارية بالنفس، وخطابة متغطرسة، واتكاء على أسطورة، وركاكة أنظمة عربية الشكل، غربية الهوى والتّبعية. وقد لاحظنا الشّبه الواضح بين خطاب الدكتاتوريين العرب المصابين بداء العَظمة، وبين خطاب قادة العدوّ المصابين بنفس الداء، ويمكن كثيراً أن نتوقع لهم نفس النهايات.
والآن أيضاً، تطردُ تركيّا سفير الكيان، فتردّ إسرائيل "بحذر". وقبلها، اضطرّ نتنياهو ومجلس حربه إلى التواضع والتفكير مرّات، لتجدَ وزارة دفاع الكيان الجزعة نفسها مجبرة على اتخاذ خطوة غير عادية: كسر حرمة السبت اليهودي وإصدار بيان تعرب فيه عن أسفها لمقتل الجنود المصريين. وكانت القاهرة قد أعلنت استدعاء سفيرها في إسرائيل. وقالت وكالة الأنباء المصرية إن دماء المصريين ليست رخيصة، وإن الحكومة لن تقبل بسفك الدماء المصرية بلا سبب. وعندما قصفت طائرات العدو غزة في عمل انتقامي، اضطرّ المستوطنون إلى الاختباء تحت الأرض خوفاً من صواريخ غزة، ونصح المتعقلون حكومة نتنياهو بالتهدئة.
يُحتمل كثيراً أن يُفضي الضغط التركي إلى إجبار دولة الكيان على الاعتذار مجدّداً عن قتلها الأتراك على متن أسطول حريّة غزة. وفي المعادلة الإقليمية الجديدة، ثمة التنافس بين تركيا، وإسرائيل، وإيران، بالإضافة إلى عودة مصر بشكلها الجديد إلى الخط. وفي ضوء ثقل هذه القوى، والأزمات و"الحذر" الجديد الذي أصبح مفروضاً على واشنطن، عرّاب دولة الاحتلال ومنجمه، بالإضافة إلى تساقط الأنظمة العربية الشمولية المتماهيّة مع الكيان في الخطاب والتبعية، يتوجّب على العرب والفلسطينيين استثمار اللحظة في تصعيد خطابهم الخاصّ، لأنّه ليس لديهم ما يخسرون سوى الخُسران ذاته.
في هذه اللحظة التي تختلط فيها أوراق المنطقة، سيكسبُ الذي يراهنُ على الحسابات والمنطق. ويكشف منطق الأمور عن نفسِه في شكل الخَوف الواقعي لقادة الكيان ومستوطنيهم، واضطرارهم إلى تخفيف اللغة المتعالية وإعادة تقدير حجمهم. ولمن يريد بوصلة للوجهة: شاهد هبوط الكيان غير المألوف من برجه المتعالي، ليعتذر، بداية..!

التعليق