عيسى الشعيبي

أبلغ من الصمت القاتل يا يوسف الحموي

تم نشره في الأحد 31 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً

على نحو ما كانت عليه استغاثة يوسف في قلب الجب المهجور، وكانت شكواه لأبيه من الفعلة النكراء لإخوته الضالين، خرج أحرار ثورة الكرامة السورية يوم الجمعة الأخيرة، عن تقاليد ما درجوا عليه طوال نحو عشرين جمعة سابقة، حين وجهوا للمرة الأولى نداءهم المفعم بالدهشة والألم إلى ما وراء جدران سجنهم الكبير، وأرسلوا ما يشبه طلب النخوة إلى الشعوب العربية الصامتة عما يتعرضون له من قمع فاق كل الحدود، وذلك على عكس ما كانت عليه كل النداءات الأسبوعية الماضية الموجهة إلى الداخل السوري حصراً.
     وهكذا فقد جاءت تسمية جمعة "صمتكم يقتلنا" المدوية في ضمائر المتفرجين، محملة بمشاعر خيبة الأمل والوجع والمرارة، إزاء عالم عربي واسع، أدارت عواصمه وجوهها، وأقفلت حكوماته أسماعها، عما يعاني منه شعب، كان على مدى التاريخ العربي الحديث أكثر شعوب هذه الأمة انفعالاً بحداء الوحدة القومية، وتفاعلاً مع كل مأساة أو عدوان يحيق بهذا البلد العربي أو ذاك، الأمر الذي نالت معه سورية بحق اسم قلب العروبة النابض عن جدارة واستحقاق تامين.
     وعليه، تبدو مرارات السوريين وخيبة آمالهم مبررة تماماً، ومفهومة إلى حد بعيد إزاء هذا الصمت العربي القاتل، الذي لم يخرق سقفه السميك سوى وسائل الإعلام المرئي، وأقلام عدد من الكتاب، وأصوات بعض القوى والأحزاب، التي قدمت بانحيازها البائن إلى هتاف الحرية، شيئاً من العزاء لأقران الطفل حمزة الخطيب، وأظهرت قسطاً طيباً من التماثل مع أوجاع عشرات آلاف الشهداء والمعتقلين والمفقودين واللاجئين من أبناء هذا الشعب الذي يواصل بسخاء منقطع النظير دفع مهر حريته بدماء شاباته الجميلات وشبابه الغر الميامين.
     وأحسب أن هذا العتاب الذي يخالطه الغضب واللوم والحس بالخذلان، الفائض من رمزية شعار جمعة "صمتكم يقتلنا" يخاطب الدول والحكومات العربية أكثر مما يخاطب الشعوب المغلوبة على أمرها، خصوصاً وأن هذه الحكومات سبق لها أن تحركت بسرعة فائقة، وعملت على إنقاذ الشعب الليبي من جنون القذافي بكل وسيلة ممكنة، بما في ذلك حلف الناتو، فيما راحت تغض البصر وتصمت صمتاً مريباً عن آلة الموت المتنقلة يومياً بين مختلف المدن والأحياء والبلدات السورية، في سابقة أخرى تكرر فيها عار المعايير العربية المزدوجة.
     ولو كان لهذه الكلمات التضامنية أن تصل إلى مسامع أوساط سورية ثائرة، وهي تصل أحياناً عبر إعادة النشر في بعض المواقع الإلكترونية المعارضة، لقالت للمخذولين والمتروكين هؤلاء، المفجوعين بهذا الخواء المديد، إن ما هو أبلغ من الصمت فظاظة، وأشد على النفوس الأبية مضاضة، ليس هذا التجاهل الرسمي المعيب لآلامكم، وإنما هو هذا النفاق الشعبوي الكريه من جانب هوامش اجتماعية ضئيلة مسبحة بعد بحمد النظام الممانع، وهذا الدفاع المتهافت عن رواية دمشق الرائجة حول نظرية المؤامرة الخارجية، التي باتت كالحلوى المكشوفة، لا يقبل عليها إلا الذباب.
     إذ عندما يشاهد المرء أحياناً أحد الضيوف على الشاشة الرسمية السورية، وأغلب هؤلاء لبنانيون مع الأسف، وهو ينافح عن النظام المتفلت من عقاله، ويقدم التحليلات الهمايونية عن قرب انقضاء الأزمة وعن عودة الحكم أقوى مما كان عليه، يقول في نفسه لو أن هؤلاء الانتهازيين يعيروننا سكوتهم برهة، ويكفون عن رش الملح على جروح إخوانهم مرة، فالصمت ينطوي على رسائل أشد بلاغة من كل هذا الهذر في عقد المقاربات الفجة، وبعث التطمينات المغشوشة لنظام فقد رشده وراح يغذ الخطى نحو حتفه.
     إزاء ذلك، فإن هذا الصمت العربي الثقيل على فعاليات الثورة وتنسيقاتها الميدانية، قد يكون أقل ضرراً من بعض اللغو واللغط والأضاليل التي تتسلل في زاوية صحيفة لقومجي هنا، أو عبر ثرثرة ساذجة لمنظّر يسراوي على شاشة لا صدقية لها هناك، بل لعمري إن هذا الصمت هو أقل فداحة من موقف يتورط به مسؤول عربي رفيع، على نحو ما حدث مع أمين الجامعة العربية الجديد، الأمر الذي يدفعنا والحالة هذه إلى دعوة الثوار السوريين للكف عن إطلاق مثل هذا النداء المكلوم، والمبادرة من ثم إلى تنظيم يوم جمعة خاص بتمجيد هذا الصمت وتقديس سره المكنون.

التعليق