الحراك الشعبي والاختزال التاريخي

تم نشره في الأربعاء 13 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

بعد 20 عاماً أو أكثر، سيُفتش كاتب أو باحث من الجيل القادم، عن الحراكات الشعبية الأردنية التي جرت العام 2011. وقد يجد بصعوبة بالغة؛ ملزمة أوراق غير منشورة، كتلك التي كتبها الزميل موفق محادين عن هبة نيسان العام 1989، وقد يجد بعض الشهادات غير الموثقة، وفقرة أو فقرتين مكتوبا فيها:
قبل انطلاقة الثورة التونسية في 18 كانون الأول (ديسمبر) العام 2010، كان الشارع الأردني قد بدأ مطالبات جادة وحادة لإقالة حكومة سمير الرفاعي التي حاصرت الحريات الإعلامية، وفرضت قانون الصوت الواحد، وقررت إجراء الانتخابات النيابية مستندة له. وحين اشتدت الثورة التونسية، ومن دون تنسيق مسبق، وعلى إثر احتجاجات شعبية في لواء ذيبان، دعت مجموعات غير منظمة حزبيا إلى ما سمي بأول "جمعة غضب عربية" في 14 كانون الثاني (يناير) 2011، انطلقت من المسجد الحسيني وسط العاصمة عمان، وهو اليوم الذي أطيح فيه بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي. واستمر الحراك الشعبي الأردني جمعتين متتاليتين، وأدى إلى إقالة حكومة الرفاعي في الأول من شباط (فبراير) 2011، وتعيين معروف البخيت رئيسا للحكومة، وفتح "نصف" باب حوار مع الفعاليات السياسية والشعبية، وتشكيل لجان للحوار السياسي والاقتصادي ولجنة لمراجعة نصوص الدستور الأردني.
مع استمرار "ثورة الغضب العربية"، التي أطلق الغرب عليها وروّج اسم "الربيع العربي"، مع أنها كانت شتاء عربيا يرعد ويبرق بامتياز، ومع انطلاقة ثورة 25 يناير المصرية التي أطاحت بالرئيس المصري محمد حسني مبارك، وتفجرها بعد ذلك في كل من اليمن وسورية وليبيا والبحرين والعراق، ظهرت في أواسط شباط (فبراير) العام 2011 حركات سياسية شبابية أردنية جديدة، وليدة الظرف السياسي العربي، ووليدة الظروف السياسية والاقتصادية الأردنية، مستقلة أو بدعم من بعض الأحزاب المنظمة، والتي رأت استمرار الحراك الشعبي، ورفع سقف المطالبات لتشمل عمليات إصلاح شاملة تتضمن مكافحة صارمة للفساد وتعديلات دستورية ومطالبة بإقالة حكومة البخيت الثانية "الجديدة"، كونها تسببت بهروب أحد سجناء الفساد خارج البلاد بحجة العلاج. وركزت المطالبات أيضا على محاكمة البخيت نيابيا فيما يعرف بقضية "الكازينو"، ولكن البخيت أعاد بعد براءة نيابية خجولة ترتيب بيت الحكومة وأجرى تعديلا واسعا شمل وزارات مثل الداخلية والصحة والعدل والإعلام والثقافة وغيرها، وبقي التحرك نحو الإصلاح الشامل بطيئا، حتى.. "أقرت في نهاية المطاف بعض التعديلات الدستورية، وتم إقرار قانون انتخاب يشتمل على تمثيل نسبي هزيل، وجرى في نهاية العام حل الحكومة والبرلمان معا وتعيين حكومة مؤقتة لإجراء انتخابات نيابية، واستمر الحراك حتى يومنا هذا، مطالبا بتعديل قانون انتخاب يقوم على أساس التمثيل العادل".
النهاية الهزلية التي تمت إضافتها في نهاية الفقرة الثانية، هي مجرد إضافة كاريكاتورية فقط، لكن التاريخ حقا، وكما نعرفه جيدا، سوف يختزل أشياء كثيرة نعتقد اليوم أنها مهمة جدا، لكنها للأسف لن تكتب، ولن يذكرها أحد بعد ذلك، حتى المؤرخون سوف لا يجدون طريقة لاختزالها غير اختصارها وتجاوزها، ولن تعرف الأجيال القادمة شيئا عن تحرك المتقاعدين والمعلمين وعمال المياومة و"محمد السنيد"، ولن تتوقف طويلا عند أحداث الداخلية والزرقاء والطفيلة، ولن تهتم ببحث حول استقالة الزميل طاهر العدوان احتجاجا على تعنت الحكومة في إقرار قوانين المطبوعات من دون مراجعة صحيحة ومهنية. ولا أظن أن التاريخ سيفرق بين الجادين في الإصلاح أو الرافضين له، وبين الراغبين حقا في رفعة الوطن وحمله بالقلوب والأيدي النقية ليصبح الأجمل والأمثل وبين الذين يدوسون منجزاته ويرغبون بتسطيحه وتقسيمه وتحطيمه بأي ثمن.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وجهة نظر أحترمها (عمرو الخفش)

    الثلاثاء 12 تموز / يوليو 2011.
    الأستاذ جلال صاحب قلم وطني ملتزم، و هو أيضا ذو رؤية اصلاحية. في مقاله هذا يضيف الأخ جلال إلى رصيد قدمه سابقا من الاصرار على تركيز الجهد على قانون الانتخاب باعتباره مفتاح الحل لأردن متقدم متطور نموذج، متجاوزا عتبة الحكومات و البرلمانات الضعيفة.
    أوافق الأستاذ جلال، غير أن المأزق الحالي ناتج عن نفس المعضلة التي يريد الأستاذ جلال انهاءها بقانون الانتخاب، ذلك أن هذه الحكومة مثقلة أصلا بالكثير من الهم المكبِل لحركتها، يكفيها الرفض الذي تلقاه من قطاعات مختلفة من الشعب و برلمان أتصور أنه يحاول مجاراة حركة الشعب، الحركة التي أدت أصلا إلى هذا الظرف المواتي للتغيير. و برغم أننا نختلف مع بعض أصحاب التوجهات، لكننا لا نستطيع أن نسم كل هذا التحرك بصفة شاملة سوى أنه شعبي وطني.