ظهور الرئيس صالح تلفزيونيا.. مبادرة أميركية لإجهاض الثورة

تم نشره في الاثنين 11 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

بائسا في مظهره وعنيدا في موقفه، أطل الرئيس اليمني المصاب، علي عبدالله صالح، على شاشة التلفزيون يوم الخميس الماضي في شريط مسجل، موجها كلمة لأنصاره قبل غيرهم.
الرئيس صالح بدا خلال الشريط التلفزيوني في مظهر بائس؛ جلس على كرسي لم يتحرك عنه طوال مدة كلمته التي استغرقت ثماني دقائق، وجرى مونتاج على الشريط غير مرة، حيث بدا هناك قطع لمرتين عليه. وكانت آثار الحروق واضحة جدا على وجه الرئيس ورقبته، كما أظهرت الكاميرا ذراعيه ثابتتين بضمادات طبية، ولف رأسه بغطاء على غير عادته، ليخفي تحته ما يبدو أنه إصابات وحروق بالغة شوهت جلدة رأسه.
ويبدو أن الرئيس لم يكن يهمه مظهره البائس بقدر ما كان همه إرسال رسائل تحد لمعارضيه وللمنتظرين تنحيه عن الحكم، من خلال كلمته التي تضمنت التهديد والوعيد، من خلال تكرار مصطلحه "سنواجه التحدي بالتحدي"، وأنه لن يقبل "لي الذراع"، وإن كان رحب بما سمّاه المشاركة السياسية.
كنا نتوقع أن يظهر الرئيس علي عبدالله صالح على شاشة التلفزيون ليحل مشكلة الثورة المشتعلة في بلاده ضده، وليعلن استعداده للتنازل عن السلطة بشرف واحترام وفق بنود المبادرة الخليجية، لكن الرئيس ظهر في الشريط ليجدد اشتعال الثورة، وليصب مزيدا من الزيت على النيران التي تشعل بلاده فيكون "نيرون" الجديد.
ظهر الرئيس ليجدد تأكيده على تمسكه بالحكم والسلطة إلى آخر رمق. ويبدو أنه لم يتعظ من التفجير الذي تعرض له، ولم يحمد الله على نجاته.
تجاهل الرئيس اليمني المبادرة الخليجية التي هي في حقيقتها مبادرة سعودية، لأنه يعلم أن هذه المبادرة ماتت الآن، وأن واشنطن والرياض باتتا غير متمسكتين بها. ولكنه، بالطبع، لم ينس أن يكيل الشكر للسعودية التي أنقذته من موت محقق تعرض له بعد إصاباته البالغة الخطر بسبب التفجير الذي دبره موالون عسكريون له.
وفي اعتقادنا أن واشنطن والرياض اللتين كانتا -وإنقاذا للموقف في اليمن- تريدان تنحي الرئيس اليمني عن السلطة لمنع عزله وإسقاط نظامه بقوة الثورة، غيرتا موقفهما الآن من مسألة تنحي الرئيس صالح عن السلطة، وأصبحت الرياض حاليا ومعها الولايات المتحدة تؤيدان استمرار الرئيس صالح في السلطة لموعد الانتخابات الرئاسية القادمة.
وفي الحقيقة أن واشنطن هي التي غيرت موقفها وأصبحت ترغب حاليا في الحفاظ على نظام الرئيس علي صالح لمدة أطول، حرصا على بقاء الجيل الجديد من أبناء عائلة الرئيس صالح في مواقعهم العسكرية والأمنية الحالية، وليس حرصا على شخص الرئيس نفسه.
ويبدو أن تقييما أميركيا جديدا للوضع في اليمن بعد سيطرة المتطرفين الإسلاميين (تنظيم القاعدة في اليمن) على محافظتي أبين ولحج جنوب البلاد، وعدم قدرة أحد على التصدي لهم سوى قوات مكافحة الإرهاب الخاصة "المسلحة والمدربة أميركيا"، والتي يسيطر عليها أبناء أشقاء الرئيس، هذا التقييم وجد أن من المهم للمصالح الأميركية ولحربها ضد تنظيم القاعدة استمرار النظام اليمني الحالي الذي يمتلك القدرات العسكرية القادرة على ملاحقة عناصر تنظيم القاعدة والتعاون مع واشنطن والرياض في ذلك.
ومن هنا، تقول المعلومات المؤكدة إن مبادرة أميركية جديدة طرحت من خلال نائب الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، حتى لا تثير حساسية الشارع اليمني إذا ما طرحتها واشنطن أو الرياض، تعطي للرئيس المصاب بقاء لمدة أطول في الحكم، حتى إجراء انتخابات رئاسية جديدة.
المبادرة الأميركية التي يتبناها نائب الرئيس تتضمن إجراء الانتخابات الرئاسية في ظل سلطة الرئيس صالح (أي لا تتضمن تنازل الرئيس خلال ثلاثين يوما وإعطاء صلاحياته لنائب الرئيس لحين إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية خلال شهرين، كما كان في بنود المبادرة الخليجية)، وتحديد موعد الانتخابات الرئاسية لمدة أطول من الشهرين. ولكن المبادرة تتضمن مشاركة قوى المعارضة السياسية في الحكم عن طريق تشكيل حكومة يمنية انتقالية بقيادة المعارضة.
ونلاحظ أن كلمة الرئيس صالح المتلفزة تضمنت إشارات لبعض هذه المعلومات حول المبادرة الأميركية، ومنها ترحيبه بمشاركة القوى السياسية في الحكم، حين قال: "نحن نرحب بالشراكة في إطار الدستور والقانون على أسس ديمقراطية.. دستور الجمهورية اليمنية الذي قام على التعددية".
لذلك، نعتقد أن الرئيس صالح لم يكن من الممكن أن يظهر على التلفزيون ويوجه كلمته من دون اتفاق مع واشنطن والرياض حول الحل القادم، القائم على مقترحات المبادرة الأميركية المطروحة باسم نائب الرئيس عبدربه منصور، الذي أشاد به الرئيس شاكرا إياه "على جهوده من أجل رأب الصدع بين كل أطراف العمل السياسي".
ولا شك أن هذه المبادرة تعتبر تراجعا كبيرا عن المبادرة الخليجية التي سبق أن وافقت عليها قوى اللقاء المشترك المعارضة. وأعتقد أن الرياض –التي لم تكن بالسابق تثق بالرئيس علي عبدالله صالح– ترى أن الرئيس سيخلص لها بعد أن عالجته وأنقذت حياته هو وبقية أركان نظامه. ومن أجل ذلك توافقت مع الطلب الأميركي بتأييد المبادرة الجديدة التي أهم ما تهدف إليه استمرار النظام الحالي مع ضمان مشاركة القوى السياسية في الحكم.
ولكن، هل يستطيع أحد أن يضمن الرئيس اليمني المعروف عنه أنه تعود أن يتخلص ممن وقفوا معه في أزماته؟ وإذا كانت المبادرة سترضي قوى المعارضة السياسية بإشراكها سياسيا في الحكم (قيادة الحكومة الانتقالية المقترحة)، فهل شباب الثورة والشعب اليمني سيقبل بأن تجهض ثورته؟

التعليق