موفق ملكاوي

الإعلام "حيطة واطية"

تم نشره في الاثنين 4 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

ليس عن حادثة معينة أكتب. بل عن ظاهرة بدأت تستعرض "عضلاتها" خلال الفترة الماضية، وفي دخيلتها أن الإعلام والعاملين فيه "حيطة واطية"، يمكن القفز عنها بسهولة، ويمكن تحطيمها، كذلك، إن استدعت "الضرورة".
في البال عشرات الحوادث التي تجرأ فيها أشخاص على وسائل إعلام وعاملين فيها، حتى إن وكالة عالمية بحجم وكالة الصحافة الفرنسية لم تسلم هي الأخرى من "البلطجة"، حين اقتحم "مجهولون" مكاتبها وعاثوا فيها فسادا.
الظاهرة لا تبدو مقلقة للأجهزة الرسمية، فهي تكاد تكون صامتة حيالها. كما أنها لا تبدو مقلقة لمجلس النواب الذي يتوجب أن تكون على رأس أولوياته إشاعة الأجواء الديمقراطية والدفاع عن حرية التعبير، إضافة إلى مسؤوليته الجسيمة في سن تشريعات تحفظ سقف الحرية بعيدا عن أيدي العابثين، ليمارس الإعلام بالتالي دوره الرقابي جنبا إلى جنب مع مجلس النواب.
بيان الزملاء الصحافيين الذين تداعوا للتضامن مع زميلهم جمال المحتسب ضد الهمجية و"البلطجة"، جاء مثيرا للرعب، ذلك أنه أشّر بوضوح على وجود جهات داخل أجهزة الدولة الأردنية تسهّل "البلطجة" ضد الإعلام والإعلاميين، وتحمي أولئك العابثين من المساءلة.
هذا أمر خطير، ولا يمكن السكوت عنه، أو الركون إلى أنه مجرد سحابة صيف عابرة، فإذا كان هناك من يسهّل عمل "البلطجة" ويدافع عنها، فهذا لا يكون إلا بـ"التقاء مصالح"، و"تبادل خدمات"، وبذلك تنتفي سمة "سواسية" التي "نكرز" بها ليل نهار، في حديثنا عن المواطنين الأردنيين.
ولكن، وبالنظر إلى المسألة من وجوهها جميعها، نكتشف أنها تتعدّى في سوداويتها ملف الإعلام والإعلاميين، نحو التشكيك فيما يمكن أن تكون عليه مخرجات مجلس النواب الكريم، والذي يرتضي أفراد فيه تبديل لغة العقل والحوار بلغة الوعيد والتهديد. فكيف نركن إلى مجلس مثل هذا في تسيير دفة الوطن في ظل ما يواجهه من تحديات جسام، تفرض التفكير والتمحيص، ووضع مصلحة الوطن أولا، قبل العصبية والقبلية وجدار العشيرة.
لعلّ هذا الأمر يؤشّر، فيما يؤشّر، على فشل ذريع في التحوّل إلى مجتمع مدني نحتكم فيه إلى القانون، بدلا من لغة التهديد وعصبية القبيلة والعشيرة وسؤال "مين اللي أكثر في البلد"، والذي صار شائعا ومتداولا في جميع "طوشاتنا"؛ صغيرها وكبيرها، رغم أن المحاكم، وعلى اختلافها، تفتح أبوابها لكلّ صاحب شكوى، أو متضرر، من غير وجه حق، من الإعلام وأخباره.إن الحكومات المتعاقبة التي حوّلت الإعلام الرسمي إلى "دكاكين" تبيع بضاعة بلا طعم ولا لون، وبرائحة غير مستحبة، تحاول اليوم، وبكل ما أوتيت من سبل، أن "تدجّن" الإعلام الحرّ الذي ينطلق في مهنيته من مصلحة وطنية عليا، تتمثل في أن يكون رقيبا على المال العام والقرار السياسي، وللأسف الشديد، فقد نجحت الحكومات، وعلى الدوام، في سعيها هذا من خلال استمالة منابر مختلفة.
مجلس النواب الأردني مطالب اليوم بتنقية "صورته المهزوزة" من كل ما علق بها خلال الفترة الماضية من شوائب، نتيجة لقرارات اتخذت تحت القبة، وأخرى متأتية من سلوكيات أفراد فيه، فالانتصار للإعلام لن يكون "هفوة" أخرى تنضاف إلى خطواته المتعثرة في تمثيل الشارع الأردني، بل سوف يتذكرها الشارع على أنها "حركة تصحيحية" في مسيرة المجلس الذي "رمى طوبته" الشارع الأردني، وبات لا يذكر إلا من باب التندّر. ثمة ملاحظة أخيرة في سياق ما حدث، وهو أن تهديد نائب لزميل صحافي، جاء في أول أيام تسلم الزميل عبدالله أبو رمان مهام عمله حاملا لحقيبة الإعلام في التعديل الجديد للحكومة. ورغم أن لا سلطة للحكومة على السلطة التشريعية، إلا أن الزميل أبو رمان مطالب بـ"بيان حسن نوايا" تجاه الإعلام، وبأن يتخذ موقفا واضحا تجاه ما يجري من إرهاب بحق الإعلام والإعلاميين، وإدانة كل قوى التطرّف والشرّ، بما فيها تلك التي تطلق التهديدات في حق الصحافيين، وتحاربهم في رزقهم.

التعليق