محاولات النظام العربي الرسمي إجهاض الثورات

تم نشره في الأحد 8 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً

في هذه الأيام تختلط الأمور على المواطن العربي الذي عاش حلم الربيع العربي، حلم أن عصور استبداد الأنظمة قد ولت بعد ثورتي تونس ومصر. ويضيع هذا المواطن بين الإعلام الفضائي المهيمن للنظام العربي الرسمي، وبين تسريبات عملاء الثورة المضادة ومروجي "فكر الهزيمة وثقافة الاستسلام" الذين يروجون عبر وسائل التواصل الاجتماعي كالفيس بوك وغيرها، بأن ما حصل ويحصل من ثورات في العالم العربي هو من تدبير الولايات المتحدة "التي تريد نشر الفوضى الخلاقة في المنطقة"، ويستشهد هؤلاء بأنه "حين سحبت الولايات المتحدة نفسها من دعم الثورة الليبية عسكريا لم يعد ثوار ليبيا قادرين على الانتصار على نظام القذافي".
والنظام العربي الرسمي الذي استشعر خطر عدوى ثورتي تونس ومصر بعد فترة من الذهول والارتباك بسبب تفاجئه من هاتين الثورتين، بدأ هجومه المضاد على الثورات العربية التي أخذت تشتعل في اليمن وليبيا والاحتجاجات في سورية.
في ليبيا يريد النظام العربي الرسمي سقوط نظام القذافي، ليس حبا بالشعب الليبي ولكن تصفية لحسابات قديمة مع زميل مجنون أحرجهم وعاداهم مرارا، ولكن النظام العربي الرسمي حين تدخل حوّل ثورة الشعب الليبي إلى عصيان عسكري مسلح يعطي لسفاح ليبيا وعصابة أبنائه المبرر القذر لتنفيذ المجازر ضد أبناء الشعب الليبي، ويعطى الغطاء لحلف الأطلسي للتحكم بقيادة هذه الثورة.
في اليمن تدخل النظام العربي الرسمي فأنقذ الرئيس اليمني علي عبدالله صالح  من الثورة ومن سقوط نظامه الفاسد كما حدث لزميليه الرئيسين السابقين بن علي ومبارك، وتمكن الرئيس صالح، بدهائه، من تحويل ثورة الشعب اليمني ضد نظامه الفاسد إلى "أزمة سياسية مع المعارضة ممثلة بتحالف "قوى اللقاء المشترك" التي امتطت قيادة ثورة الشباب والشعب، وتتعامل المبادرة الخليجية مع ثورة الشعب اليمني على أساس حل "الأزمة السياسية في اليمن" وتفرض على تحالف المعارضة مقترحاتها وتتساهل مع الرئيس ومراوغاته، وللأسف فإن تحالف المعارضة لا يملك القدرة السياسية التي تجعله قادرا على اتخاذ موقف متشدد وقوي يسقط الرئيس، ولو تترك المعارضة الأمور للشعب المعتصم منذ أكثر من ثلاثة أشهر في ميادين وساحات المدن اليمنية لحسم الأمر وأسقط الرئيس بالقوة السلمية. ولكن الرئيس يريد بقاء هذه المعارضة لأنه قادر على التلاعب السياسي بها.
والنظام العربي الرسمي يريد بقاء هذه المعارضة حتى تكون هي البديل للرئيس حينما يتنحى سلميا، ولا يريد أن يأتي البديل من رحم الثورة الشعبية التي ستذكره بثورتي تونس ومصر.
ويستخدم النظام العربي الرسمي إعلامه الفضائي في الترويج للثورة في اليمن للضغط على الرئيس المراوغ ليوافق على الحل المقترح للانتقال السلمي للسلطة في اليمن، حتى لا تفلت الأمور ويطيح شباب الثورة بالرئيس، وتنتصر ثورتهم وتستمر عدوى الثورات وتنقل لشعوب عربية أخرى، وهذا بالطبع لا يريده النظام العربي الرسمي.
وفي سورية، بالطبع لا يريد النظام العربي الرسمي سقوط النظام السوري ولا يريد أن تكون هناك ثورة أساسا في سورية، ولكن هذا النظام لم يعط علنا أي موقف رسمي مؤيد للنظام في دمشق، رغم أن وزير خارجية دولة الامارات الشيخ عبدالله بن زايد، الذي يرأس حاليا المجلس الوزاري الخليجي، ذهب لدمشق مرتين – منذ اندلاع التظاهرات السورية – ويقول دبلوماسيون عرب، إن الشيخ عبدالله نقل تأييدا خليجيا للرئيس بشار الأسد لموقفه في "مواجهة الأزمة في سورية".
ولكن الغريب أن البعض في دمشق يتحدثون لأصدقائهم عن "أبعاد لمثلث سعودي – قطري- تركي في الأحداث الجارية في سورية".
والغريب أيضا أن قناتي الإعلام الفضائي الخليجي "الجزيرة" و"العربية" تستثيران أهل الحكم وأجهزة الأمن السورية بتغطياتهما الواسعة للمظاهرات وللأحداث في سورية، إلى درجة يتهمون فيها "فضائيات الاعتدال العربي (ويقصدون بذلك الجزيرة والعربية) بأداء دور وظيفي في التعبئة والتحريض، كما حدثني بذلك زميل زار دمشق مؤخرا، مضيفا أن المسؤولين السوريين تحدثوا له "عن قرار قيادي ومركزي اتخذ باعتماد إجراء جراحة استئصالية  لكل الالتهابات التي أصابت الجسد السوري، وهذه الجراحة تتضمن عدة عمليات جراحة موضعية لانهاء البؤر الأمنية، ويعترف المسؤولون في دمشق – بكلامهم الخاص الذي قد لا يقال سوى لأصدقائهم – إن هذه الجراحات تحتاج إلى أسابيع حتى تتعافى سورية منها ومن تداعياتها وارتداداتها.
ويتحدثون في دمشق عن "أن الحسم الأمني أفشل مخططا خارجيا بالتعاون مع مجموعات في الداخل كانت تهدف إلى تحويل مدينة درعا الى بنغازي سورية" ويتحدثون عن اعتقال عرب من جنسيات مختلفة.
وعندما سأل زميلي من هم وراء المخطط الخارجي الذي يتآمر على سورية؟
أجابوه "إن دمشق تدرك أن استهدافها أمر يلتقي عليه كل من له مصلحة في تحقيق سلام مع إسرائيل بالشروط الاسرائيلية وبتصفية القضية الفلسطينية. وهي تعي أن البعد الأميركي والأوروبي للهجوم عليها هو الأمن الاسرائيلي، وتعي أيضا الأبعاد السعودية والقطرية والتركية والحدود والعوامل "الشخصية" الكامنة خلفها، ومنها ما تبلغته دمشق مؤخرا، حول تجرّئها على خطوات اعتبرت "مهينة" للمثلث السعودي القطري التركي، ومنها على سبيل المثال لا الحصر إسقاط حكومة سعد الحريري في ذروة المسعى القطري التركي وزيارة وزيري خارجيتي كلّ من قطر وتركيا دمشق وبيروت".
ولكن لا أدري ما إذا كان هذا الكلام، الذي يتهم بعض العرب الذين كانوا أصدقاء لسورية خصوصا قطر وكذلك تركيا ببعض الدور، لا يعلم عن زيارتي وزير خارجية دولة الامارات لدمشق خلال الأزمة، ولا يعلم عن الزيارة التي قام بها إلى العاصمة السورية مبعوث سعودي قبيل أيام من اندلاع المظاهرات هناك طالبا تدخل دمشق لدى طهران لتحذيرها من التدخل بشؤون البحرين، وتعني هذه الزيارة وهذا الطلب استمرار التواصل السعودي مع سورية.
في دمشق بدا لزميلي أن أهل النظام بدوا واثقين أنهم تجاوزوا الأزمة بعد الارتباك الذي أحدثته صدمة التظاهرات. ولكن زميلي لمس أنهم في دمشق يزيدون استنفار الأجهزة الأمنية المستنفرة أساسا قبيل كل يوم جمعة من أيام الأسبوع.
وما ألمسه أنا، أن النظام العربي الرسمي لا يريد ثورات جديدة في عالمنا العربي بعد ثورتي تونس ومصر ولولا ثقتي بأن مصر أخذت تستعيد دورها القيادي في عالمنا العربي لخفت على نتائج ثورتها من هذا النظام العربي الذي سيحاول إفساد النظام الجديد في مصر.

التعليق