غياب السياسات الاجتماعية عن المشهد الإصلاحي

تم نشره في الخميس 5 أيار / مايو 2011. 02:00 صباحاً

شهد الأردن تحولات اقتصادية كبيرة في العقدين الماضيين، كان جلها منصبّاً على التحول إلى اقتصاد السوق من خلال برنامج التصحيح الاقتصادي أو التعديل الهيكلي الذي أفضى إلى رفع الدعم الحكومي عن السلع وخصخصة القطاع العام، والتي كان من آخر إجراءاتها تحرير أسعار النفط وما تمخض عنه من ارتفاع ليس فقط في أسعار المشتقات النفطية، وإنما لكافة السلع الاستهلاكية. وقد حرصت الدولة في كل محطة مهمة من محطات التحول الاقتصادي على اتخاذ إجراءات تخفيفية على المواطنين من خلال برامج مختلفة، يمكن إدراجها تحت مظلة شبكة الأمان الاجتماعي (Social Safety Net)، التي بدأت مع انشاء صندوق المعونة الوطنية، وانتهت بالدعم النقدي المباشر، بعد تحرير الأسعار‘ لموظفي القطاع العام بشكل خاص، وغيرها من الإجراءات الكثيرة لمعالجة الفقر والبطالة. ونتيجة للأزمة السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد حاليا، اتخذت الحكومة المزيد من هذه الإجراءات التخفيفية، كرفع الرواتب وتلبية المطالب الاقتصادية للعديد من الفئات الاجتماعية المحتاجة.
إن المراقبة والمتابعة لنتائج هذه التحولات والإجراءات الحكومية، وعلى أهميتها، تشير إلى أن هذه البرامج لم تستطع أن تعيد التوازن الاجتماعي الذي شهد خللاً كبيراً نتيجة لهذه التحولات، وإن كانت استطاعت أن تخفف قليلاً من الآثار السلبية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن منافع التنمية الاقتصادية والتصحيح الهيكلي المتوقعة لم تصل بشكل تلقائي للجميع، إذ أدت إلى نمو وطني غير عادل واختلالات اجتماعية، على رأسها زيادة التفاوت الاقتصادي/ الاجتماعي بين فئات المجتمع واستفحال ظاهرتي الفقر والبطالة.
إن التحدي التنموي المقبل لا يكمن في تخفيف آثار أزمة اقتصادية أو ارتفاع أسعار، وإنما في معالجة الفقر والبطالة والمحافظة على المكتسبات والإنجازات التعليمية والصحية، ورفع دخول الفئات العريضة ذات الدخل المتدني وتحقيق العدالة الاجتماعية على مستوى الرؤية والآليات. إذ إنه لا يمكن معالجة هذه الاختلالات والتحديات من دون حدوث تغيير جذري في السياسات الاجتماعية. إن أخطر ما ينطوي عليه الوضع الحالي عملياً ليس التحول إلى اقتصاد السوق والولوج في العولمة الاقتصادية، إنما افتقار هذا التحول إلى رؤية متكاملة في السياسات الاجتماعية التي يجب أن تكون مصاحبة لبرنامج التحول الاقتصادي. وهذا لا يعني أنه لا توجد سياسات اجتماعية في الأردن بل على العكس، فهناك سياسات ارتجالية محدودة تتسم أحياناً بالتناقض، وتعاني من مشاكل جوهرية، أهمها أنها ما تزال سياسات قطاعية غير متكاملة تتم في كل قطاع على حدة، وأنها غير تشاركية تتم بشكل مركزي وسريع وغير مدروس أحياناً، وأنها تفتقر إلى الرؤية التنموية وإلى وجود مطبخ ذي هيكلية موحدة لصياغتها ومتابعتها.
إن الكثير من الاقتصاديين ما يزالون يعتبرون السياسات الاجتماعية عبئاً على التنمية الاقتصادية، والحقيقة أن هذا خطأ جسيم، لأن السياسات الاجتماعية تشكل دعامة أساسية للنمو الاقتصادي. فكما أن النمو الاقتصادي يسمح بزيادة الاستثمارات في التنمية الاجتماعية، فإن التنمية الاجتماعية ذاتها تحسن وتطور من قدرات أفرادها للمشاركة المثمرة في التنمية الاقتصادية في المجتمع. إن السياسات الاجتماعية المتكاملة تقوم على مبدأ العدالة الاجتماعية، واتباع الأسلوب التشاركي في صياغتها وتصميمها وتنفيذها. كذلك، فإنها ليست ترفاً يمكن تحقيقها بعد الوصول إلى الرفاه الاقتصادي، لا بل أصبحت ضرورة ملحة، قد جاء أوانها للمحافظة على المكتسبات التنموية ولمعالجة الاختلالات الاجتماعية الناتجة عن اقتصاد السوق وتحقيق العدالة الاجتماعية.
لقد شكلت الحكومة لجنة وطنية للحوار السياسي، وأخرى للحوار الاقتصادي، وإنه لمن المؤكد أن السياسات الاجتماعية لن تكون في أجندة أي منهما. لقد عانى الأردن كثيرا بسبب غياب سياسات اجتماعية واضحة، أصبحت تهدد مكتسبات التنمية الاجتماعية الحالية. إن تحقيق الأهداف المرجوة من عملية التحول الديمقراطي لن تكتمل في ظل غياب السياسات الاجتماعية عن المشهد الإصلاحي.

mousa.shtaiwy@alghad.jo

التعليق