هل تتخطى الصين أميركا؟

تم نشره في السبت 9 نيسان / أبريل 2011. 02:00 صباحاً

يشهد القرن الحادي والعشرون عودة آسيا إلى ما قد نعتبره النسب التاريخية المستحقة من سكان العالم واقتصاده. ففي العام 1800 كانت آسيا تمثل أكثر من نصف سكان العالم وناتجه. وبحلول العام 1900، كانت تمثل 20 % فقط من الناتج العالمي، ليس لوقوع حدث جلل في آسيا، بل لأن الثورة الصناعية نجحت في تحويل أوروبا وأميركا الشمالية إلى ورشة عمل العالم.
ولقد بدأ تعافي آسيا باليابان، ثم انتقل إلى كوريا الجنوبية وجنوب شرق آسيا، بداية بسنغافورة وماليزيا. والآن يتركز التعافي في الصين، وعلى نحو متزايد الهند، حيث يتم انتشال مئات الملايين من الناس من براثن الفقر في خضم هذه العملية.
ولكن هذا التغيير يخلق أيضاً نوعاً من القلق والانزعاج إزاء تحول علاقات القوة بين دول العالم. ففي العام 2010 تجاوزت الصين اليابان لتصبح صاحبة ثاني أضخم اقتصاد على مستوى العالم. بل ويتوقع بنك غولدمان ساكس للاستثمار أن يتجاوز إجمالي حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي بحلول العام 2027.
ولكن حتى لو تساوى مجمل الناتج المحلي الإجمالي الصيني مع نظيره في الولايات المتحدة في عشرينيات القرن الحالي، فلن يتساوى الكيانان الاقتصاديان في تكوينهما. فسوف تظل المناطق الريفية في الصين متخلفة إلى حد كبير. وإذا افترضنا أن الناتج المحلي الإجمالي الصيني سوف يسجل نمواً بنسبة 6 % سنوياً بعد العام 2030، وأن الناتج المحلي الإجمالي الأميركي سوف يسجل نمواً بنسبة 2 % فقط سنوياً بعد ذلك التاريخ، فإن الصين لن تتساوى مع الولايات المتحدة من حيث نصيب الفرد في الدخل -وهو مقياس أفضل لتطور أي اقتصاد- قبل وقت قريب من النصف الثاني من هذا القرن.
وقد تكون التوقعات الاقتصادية الخطية مضللة فضلاً عن ذلك. حيث تميل البلدان الناشئة إلى الاستفادة من التكنولوجيات المستوردة في المراحل المبكرة من الانطلاقة الاقتصادية، ولكن معدلات نموها تبدأ بالتباطؤ عموماً مع بلوغها مستويات أعلى من التنمية. ويواجه الاقتصادي الصيني عقبات خطيرة فيما يتصل بالنمو السريع المستدام، ويرجع ذلك إلى المؤسسات المملوكة للدولة والتي تتسم بعدم الكفاءة، واتساع فجوة التفاوت، والهجرات الداخلية الضخمة، وشبكة الأمان الاجتماعي غير الكافية، والفساد، والمؤسسات غير الكافية، وكل هذا قد يعزز من عدم الاستقرار السياسي.
وكان شمال وشرق الصين متفوقان على جنوبها وغربها. وتكاد تكون الصين الوحيدة بين البلدان النامية التي تتأثر بالشيخوخة السكانية بسرعة غير عادية. فبحلول العام 2030 سوف يتجاوز عدد المسنين المعالين في الصين عدد الأطفال. ويخشى بعض علماء الديموغرافيا أن تبلغ الدولة مرحلة الشيخوخة قبل أن تصيب الثراء.
وأثناء العقد الماضي، انتقلت الصين من كونها تاسع أكبر دولة مصدرة إلى الدولة المصدرة الأولى على مستوى العالم، بعد أن أزاحت ألمانيا من على القمة. ولكن نموذج التنمية الصيني القائم على التصدير سوف يكون بحاجة إلى التعديل والتكيف مع إثارة التوازنات التجارية والمالية العالمية المزيد من الخلاف. والواقع أن الخطة الخمسية الثانية عشرة التي أقرتها الصين مؤخراً تهدف إلى تقليص اعتمادها على الصادرات وتعزيز الطلب المحلي. ولكن هل ينجح هذا؟
لقد أظهر النظام السياسي الاستبدادي في الصين حتى الآن قدرة مبهرة على تحقيق أهداف محددة؛ على سبيل المثال، تنظيم دورة ألعاب أولمبية ناجحة، أو بناء مشاريع السكك الحديدية الفائقة السرعة، أو حتى تحفيز الاقتصاد ودفعه إلى التعافي من الأزمة المالية العالمية. ولكن ما إذا كانت الصين قادرة على صيانة هذه القدرة على الأمد الأبعد فهي مسألة غامضة بالنسبة للمراقبين الخارجيين وقادة الصين أنفسهم.
فعلى النقيض من الهند، التي ولِدَت بدستور ديمقراطي، لم تتوصل الصين بعد إلى وسيلة لتوجيه مطالب المشاركة السياسية (إن لم يكن المطالبة بالديمقراطية) التي تميل إلى مصاحبة ارتفاع نصيب الفرد في الدخل. لقد انتهت الأيديولوجية الشيوعية منذ أمد بعيد، لذا فإن شرعية الحزب الحاكم تعتمد على النمو الاقتصادي وقومية هان العرقية. وما يزال علينا أن نرى ما إذا كانت الصين قادرة على إيجاد صيغة مناسبة للتعامل مع الطبقة المتوسطة الحضرية المتوسعة، والتفاوت بين الأقاليم، والاستياء والسخط بين الأقليات العرقية. والنقطة الأساسية هنا هي أن لا أحد، بما في ذلك أهل الصين، يعرف كيف قد يؤثر المستقبل السياسي للصين على نموها الاقتصادي.
ويزعم بعض المحللين أن الصين تهدف إلى تحدي مكانة أميركا بوصفها القوة المهيمنة على مستوى العالم. وحتى لو كان هذا تقييما غير دقيق لنوايا الصين (فحتى أهل الصين لا يستطيعون أن يطلعوا على وجهات نظر الأجيال المقبلة)، فمن المشكوك فيه أن تتمكن الصين من اكتساب القدرة العسكرية اللازمة لجعل هذا التكهن حقيقة ممكنة. لا شك أن الإنفاق العسكري الصيني، الذي ارتفع بنسبة تتجاوز 12 % هذا العام، كان في نمو مستمر وربما بسرعة أكبر من نمو الاقتصاد الصيني. ولكن قادة الصين سوف يكون لزاماً عليهم أن يتعاملوا مع ردود أفعال بلدان أخرى، وأيضاً مع القيود التي يفرضها الاحتياج إلى أسواق وموارد خارجية من أجل تلبية أهداف النمو الاقتصادي.
والواقع أن الموقف الصيني العسكري المفرط في العدوانية قد يسفر عن تحالف معادل بين جيرانها، وهو ما من شأنه أن يضعف من قوة الصين الصارمة والناعمة. ففي العام 2010 على سبيل المثال، وعندما أصبحت الصين أكثر عدوانية في إدارة سياستها الخارجية في التعامل مع جيرانها، ساءت علاقاتها مع الهند واليابان وكوريا الجنوبية. ونتيجة لهذا فإن الصين سوف تجد صعوبة أكبر في استبعاد الولايات المتحدة من الترتيبات الأمنية في آسيا.
ويكاد يكون من المؤكد أن يساهم حجم الصين ومعدلات نمو اقتصادها المرتفعة في زيادة قوتها النسبية في مقابل الولايات المتحدة في العقود القادمة. ولا بد وأن يؤدي هذا إلى تقريب الصينيين من الولايات المتحدة من حيث موارد القوة، ولكن الصين لن تتجاوز الولايات المتحدة بالضرورة بوصفها الدولة الأعظم قوة على مستوى العالم.
وحتى لو لم تتعرض الصين لنكسة سياسية داخلية، فإن العديد من التوقعات الحالية المستندة إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي وحده تعتمد على بُعد أحادي: فهي تتجاهل المزايا التي تتمتع بها الولايات المتحدة في المجال العسكري وأيضاً مجال القوة الناعمة، فضلاً عن أوجه القصور الجغرافية السياسية التي تعاني منها الصين فيما يتصل بتوازن القوى داخل آسيا. وطبقاً لتقديراتي فإن السيناريوهات الأكثر ترجيحاً من بين الاحتمالات المستقبلية الممكنة هي تلك التي تباري فيها الصين الولايات المتحدة على الصعيد الاقتصادي، ولكنها لا تتفوق عليها في القوة الإجمالية في النصف الأول من هذا القرن.
يتعين على الولايات المتحدة والصين في المقام الأول من الأهمية أن يتجنبا تنمية المخاوف المبالغ فيها فيما يتصل بقدرات كل من الجانبين ونواياه. والواقع أن توقع الصراع قد يؤدي في حد ذاته إلى الصراع. والحق أننا لن نجد مصالح متضاربة عميقة الجذور بين الصين والولايات المتحدة. بل إن البلدين يستطيعان تحقيق قدر عظيم من المصلحة الذاتية والعامة من خلال التعاون فيما بينهما.
* أستاذ بجامعة هارفارد.
خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق