السياسة جسد الثورة.. والثقافة روحها

تم نشره في الاثنين 21 آذار / مارس 2011. 03:00 صباحاً

يقف العرب على مفترق طرق تاريخي؛ فهم يسيرون لأول مرة نحو الديمقراطية والحرية، بعد أن هبت رياح التغيير والإصلاح الفعلي والحقيقي. وإذا كان الخلاص السياسي من كل العوالم القديمة يشكل جسد الثورة وعمودها الفقري، فإن ثقافة الاستقلال عن هذه العوالم لا بد أن تتبوأ موقع الروح التي ستعيد الحياة إلى جسد هذه الشعوب العربية الصابرة.

الشاعر نزار قباني، وقبل أن يرحل عن هذه الدنيا، كتب يقول في إحدى قصائده:

أنعي لكم، يا أصدقائي، اللغة القديمة، والكتب القديمة..

أنعي لكم كلامنا المثقوب، كالأحذية القديمة..

ومفردات العهر، والهجاء، والشتيمة..

أنعي لكم، نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة.

هذا ما قاله الشاعر بعد انتصار تشرين الأول (أكتوبر) 1973، فما هو يا ترى ذلك الذي قررت أن تنعيه هذه الجماهير المنتفضة على امتداد هذا الوطن العربي؟ وما هي ثقافة الفكر الجديد الذي بدأت هذه الجماهير تتسلح به؟ فالثقافة عموما ليست سوى طاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم، بل تتحول من شكل إلى آخر!

وإن أقل التقدير لثورة الشعوب يستدعي الانتباه إلى أن رياح التغيير لا بد أن تحمل على جناحها قرارا واضحا بحتمية العودة إلى لغة العقل، بعد أن بدأت تتهاوى وتنهار لغة الانحطاط التي سادت، ولعقود طويلة، على فكر وثقافة شعوب المنطقة.

في مرحلة ما قبل الثورة، كان حسني مبارك "أسطورة لا تتكرر" في نظر أفراد العصابة التي تدور من حوله. وها هو شعب ليبيا المنتفض على الاستبداد يتحول إلى مجموعات من الجرذان والمقملين حسب ثقافة "رئيس الطز" القذافي. هذه أمثلة بسيطة على ثقافة الانحطاط التي يجب كنسها وتنظيف المجتمعات منها، وهذا ما تتحمل الثقافة جنبا إلى جنب مع السياسة مسؤولية إنجازه والنهوض به، وضمن هذا الإطار التحرري الذي بدأ يولد من جديد.

استوقفتني دعوة القاص الأردني جعفر العقيلي التي أطلقها على صفحات "الغد" قبل بضعة أيام، وهو يناشدنا الاهتمام بضرورة دراسة الخيبات التي ألمت بنا. وتمنى أن يتطوع لهذه المهمة مثقفون قادرون على نهل النص من الواقع. فهذا إن تحقق فسوف يقود حتما إلى الإصلاح السياسي، وإلى إقرار قوانين عصرية تطلق حرية الرأي والتعبير، وتكرس قيم العدالة، والمساواة، والنزاهة والشفافية.

هذه دعوة صادقة ومخلصة، ولا بد أن تقود نحو فك الاشتباك بين الثقافتين، ثقافة الانحطاط التي حَبست في الأقفاص ووراء القضبان كل عصافير السماء، وثقافة العقل التي تريد لهذه الطيور أن تحلق حرة كيفما تشاء لتملأ الفضاء شدوا وغناء وهي تبشر بالولادة الجديدة.

سنوات طويلة مضت على قوى الاستبداد وهي تصر على جر العربات إلى الخلف، ولذلك فإن على قوى الثورة ومثقفيها تحمل مسؤولية عكس اتجاه حركة كل العربات، ليتحول إلى الأمام وليواكب العصر وبكل ما فيه من تطور وحداثة وجدت لخدمة الإنسان وحقه في العيش الكريم.

هذا التحدي وما يرتبط به من أهداف نبيلة وسامية، بحاجة إلى المثقفين الشجعان الذين لن تلهيهم عن ذلك كل أشكال التجارة التي فرضت عليهم في زمن ما قبل الثورة. وقد آن الأوان لكي تثبت كل الأقلام الحرة والشريفة بأن ثقافة وعاظ السلاطين كما سماهم الراحل على الوردي قد انتهت وولت إلى غير رجعة.

أحد هؤلاء الشجعان، وفي سياق التعليق على هذا المشهد العربي الجديد، يقول: إن الحمير التي كانت لعقود محملة بالإسفنج وتسخر من الخيول المحملة بأكياس الملح ، تعاني الآن من البدء في تسديد الديون الباهظة، وما أذاب ملح الخيول وملأ إسفنج الحمير ليس نهر من ماء بل بحيرة من دم!

إن النمور أفاقت أخيرا وما عاد بالإمكان تدجينها، والشعوب ما عادت قطيعا من الخراف يتسلى بها الراعي كيفما يشاء، فتحرير السياسة، والاقتصاد، والبترول والغاز، لن يكتمل أبدا حتى يشعر كل إنسان عربي بأننا أصبحنا فعلا في زمن الثقافة الحرة وتحرير العقول، والتي لا فرق بينها وبين حاجة الجسد إلى الروح والتي من دونها لن تكون الحياة!

التعليق