بعد أن يحط الربيع في السودان

تم نشره في الاثنين 14 آذار / مارس 2011. 02:00 صباحاً

حتى اللحظة، لا يبدو عدد معتقلي سجون النظام السوداني واضحا. ثمة تسريبات على المستوى الشعبي تقول إن آلافا جرى اعتقالهم في مدن السودان منذ بدء ربيع الثورات العربية في تونس. وسواء كان ذلك صحيحا أم لا، إلا أنه يحتمي بأن هذا النظام الذي دخل التاريخ بمثلبة تقسيم بلاده، يعتقل معارضيه، ويعذبهم ويعتدي عليهم جنسيا.

لكن أن يركب هذا النظام قضية فلسطين، ويحتفي بيوم القدس قبل أيام في الخرطوم، ويعلن خالد مشعل من هناك دعوته لإنهاء الانقسام الفلسطيني، يعكس مسارا ملتبسا لما يمثله مشعل من فهم لرأب صدع الفلسطينيين، بل إنه يفضح الرضا عن الانقسام الذي نام عليه فصيله منذ بدء تمزيق فلسطين الى قطاع وضفة قبل سنوات وحتى اليوم.

وفي المحصلة، فإن كُنه ما قام ويقوم به مسببو الانقسام الفلسطيني، لا يحتمي بالايمان بالديكتاتوريات العربية فحسب، بل يقف مساندا لها، ومعظِّما لسوآتها، باستخدام فلسطين ذريعة لتثبيت أركانها.

فمن قصره الدمشقي الفاره، يطلق مشعل كل يوم تصريحات مؤداها محمول على إنهاء الانقسام، لكن المحصلة دائما تأتي مخالفة لذلك. وتشي مسلكيات قادة حماس (وهذا لا يعني أن قادة فتح أنبل من فرقائهم) بترسيخ الانقسام، بل والبناء عليه، مؤسسين لتفتيت الشعب والأرض، وتسويق نبل القضية الفلسطينية كسلعة، يمكن لأي طاغية من العالم شراؤها، والاتجار بها، لتحسين صورته، التي فات الأوان على تحسينها.

فكيف لمشعل أن يتحدث عن حرية شعب فلسطين وحقه في وطن حر، خال من المعتقلات والسجون، في بلد يُعتقل معارضو نظامه ويغتصبون؟

ولأيام قبيل ظهور مشعل على منصة خرطومية، وسط البزات العسكرية السودانية، وأمام الرئيس السوداني عمر البشير الذي لا يتورع عن تقديم نفسه كل يوم بطهرانية قل مثيلها، رغم ثقل المآلم التي يتسبب بها لشعبه، ظننا أن نية إنهاء الانقسام الفلسطيني ستكون حية قريبا، وستنتهي هذه اللعنة التي ولغ فيها المفسدون حتى غابت فلسطين، دائمة الثورات، عن الربيع العربي الكريم.

لم يسأل مشعل وسواه من قادة الانقسام الفلسطيني أنفسهم لم تُرفع أعلام فلسطين في ميادين التحرير العربية هذه الأيام، وتُطوّق أعناق الثوار بالكوفيات السوداء، بينما يصر مقسمو فلسطين على رفع أعلام فصائلهم، والمناداة بحقوق تلك الفصائل التي اهترأت، وأضحت مجردة من القيم التي ادعت أنها قائمة عليها.

ليس مقبولا من مشعل وسواه، أن يرهن فلسطين لمقسمي بلدانهم وقامعي شعوبهم، ولا يمكن للوعي العربي الجديد أن يجد له العذر في يوم القدس ولا في أي يوم آخر، الاحتفاء به على أرض ما يزال دم تقسيمها طازجا.

وإذا كانت ثلة من المطبلين لنظام البشير ترقص اليوم في الميادين مؤلهة له، فإن مشعل لن يجد قبولا من سودانيين ما تزال آثار كيبلات التعذيب والاغتصاب تلوّح أجسادهم، بعد أن يحط الربيع في السودان، ويذهب المطبلون.

[email protected]

التعليق