محمد برهومة

هل تستعيد "مصر ما بعد مبارك" وزنها الإقليمي؟

تم نشره في الخميس 3 آذار / مارس 2011. 02:00 صباحاً

عانتْ "مصر حسني مبارك" منذ بداية الألفية الثالثة بدايات انحسار وزنها الإقليمي أمام القوى الصاعدة في الشرق الأوسط. والسؤال الأكثر صعوبة الآن: هل "مصر ما بعد حسني مبارك" مهيّأة أكثر من ذي قبل لاستعادة بعض نفوذها الإقليمي المفقود والمنحسر؟

الإسرائيليون يزعمون، مثلا، أنّ إيران تسعى إلى تأسيس بنية تحتية عبر سيناء باتجاه قطاع غزة؛ لتمتين الجبهة الموالية لإيران في القطاع. والإيرانيون يقولون إنّ عبور السفينتين الإيرانيتين لمياه البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى سورية إنما يعني رسالة إيرانية بأنّ طهران غدتْ قوّة إقليمية في المتوسط أيضا، والحديث عن الاستعداد لمناورات إيرانية-سورية في المتوسط وعلى مقربة من إسرائيل يصبّ في الاتجاه ذاته. أما دوري غولد، مستشار نتنياهو، فرأى في الخطوة الإيرانية محاولة من طهران لملء الفراغ في المنطقة، الذي يشتدّ بشكل أكبر مع انهيار نظام مبارك. في مقابل ذلك، ترى تحليلات أخرى أن سماح الحكومة العسكرية المؤقتة في مصر بعبور السفينتين قناة السويس يعني اختلافاً في النهج المصري لم يكن معتادا زمن مبارك، أو أنه ربما جاء لتحاشي الدخول في أزمة دبلوماسية في وقت مبكر لم تستقر فيه الأوضاع في مصر بعد، أو أنه توسّلٌ بتوسيع الخيارات المصرية وعدم تضييقها منذ البداية في ظل مرحلة جديدة لم تتضح معالمها بشكل كامل حتى اللحظة. وقد لفتَ المحلل الإسرائيلي في صحيفة "هآرتس" ألوف بن، إلى أنّ سماح القاهرة بعبور البحرية الإيرانية قناة السويس يدل على "تغيّر في ميزان القوى في المنطقة"، وقال إن ذلك يشير إلى أنّ "مصر لم تعد ملتزمة بالتحالف الاستراتيجي مع إسرائيل تجاه إيران، وأنها راغبة في التعامل مع إيران".

وقد ذكر تحليل في "نيويورك تايمز" (24/2/2011) أنّ ميزان القوى في المنطقة آخذ في التحوّل نتيجة الانتفاضات الشعبية التي تهز العالم العربي حاليا، ما يعزز، برأي الصحيفة، موقف إيران ويضعف غريمتها السعودية ويربكها. وأضافت الصحيفة أنّ إيران استفادت من إقصاء القادة العرب أو إضعافهم، وبدأت تخطط لتعزيز نفوذها في المنطقة.

النقطة الأساسية في النقاش الذي بين أيدينا هو أنّ الانتفاضات الشعبية والاحتجاجات انبثقت عن مطالب محلية وداخلية، ولم تتقدم بأي خطوة على سكّة إثارة الجدل والحوار حول ملف العلاقات الدبلوماسية والسياسة الخارجية، وهذا ما يدفع بعض الأكاديميين في علم السياسة للتحفظ على مصطلح "ثورة" وإسباغه على ما حدث في تونس ومصر، على اعتبار أنّ الثورة تعني استبدال نظام سياسي بآخر مختلف عنه في الرؤى والتوجهات، ومن ضمنها العلاقات الخارجية. والمؤشرات الأولية تدلّ، في المستوى المنظور، أنْ لا حديث عن تغيير أساسي في العلاقات الخارجية والدبلوماسية لكل من مصر وتونس.

إنّ التطورات التي عصفتْ بالمنطقة منذ أسابيع ستُدخِل عناصر وإحداثيات جديدة عند أي حديث عن "دول اعتدال" و"ممانعة"، هذا إنْ كانتْ تلك التعابير ما تزال صالحة للاستخدام والتوصيف. كما أنّ تلك التطورات ستطرح تساؤلات عن شكل الدور المصري في الملف الفلسطيني، وطبيعة علاقات القاهرة المستقبلية مع السلطة الفلسطينية و"حماس".. إلى غير ذلك من ملفات ستحدد فيما إذا كانت "مصر ما بعد مبارك" مختلفة، كما ستحدد ما إذا كانت مصر الجديدة ستستعيد عافيتها وحيويتها الإقليمية، وتوسّع من "مِروحة" تحالفاتها، أم أنّ ديمقراطيتها الناشئة وحراكها السياسي لن يكفلا لها أن تدحض في المستقبل القريب مقولة أنّ "الطبيعة تكره الفراغ"؟!

[email protected]

التعليق