عبود والصهيوني وريال مدريد

تم نشره في الأربعاء 2 آذار / مارس 2011. 02:00 صباحاً

إنه ابن الـ10 سنوات، ندلّعه عبود، لكنه يرفض ويصر على أن اسمه عبدالهادي. محاولاتي منذ يوم الخميس الماضي مستمرة لعلي أفلح في تبديل انحيازه لنادي ريال مدريد الإسباني، بعدما زاره الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، لكني أعترف بأنني فشلت في ذلك.

شاهدت معه بيريز خلال زيارته التي قام بها لمركز التدريب التابع لنادي ريال مدريد، وكيف امتدحه ووصفه بأنه يمثل "رمز السلام"، وقال للاعبي النادي: "أريد أن تعرفوا إلى أي مدى يحب صبياننا وبناتنا ريال مدريد. أنتم قدوتهم، وهم يريدون أن يصبحوا مثلكم. لم يعرفوا السلام كاملاً، وبالنسبة لهم النادي الملكي هو رمز السلام".

وقد التقى الرئيس الإسرائيلي بكريستيانو رونالدو وباقي أعضاء الفريق، ثم قدم له حارس مرمى الفريق إيكر كاسيلاس لباساً رياضياً عليه اسمه (اسم الرئيس الإسرائيلي طبعاً).

الدهشة أصابت عبود من طريقة محاورتي له، وطلبي منه أن ينحاز لشعبه الذي يُقتل بجرائم العدو الصهيوني المستمرة، والذي يتزعمه بيريز. فقال لي: ما دخل الرياضة بالسياسة، ولماذا التفكير بهذه الطريقة؟

طريقة تفكير الجيل الجديد مختلفة تماماً عن طريقة تفكير الأجيال السابقة، لهم ثقافتهم وأسلوبهم في الحوار، وحتى طريقة تعاملهم مع التكنولوجيا الحديثة متميزة ومثمرة، حيث طوعوها لخدمة أفكار التغيير الذي نشهد تجلياته في أيامنا (أيامهم) الزاهية الآن.

قد تبدو فكرة الحوار بين الأجيال عند كثيرين مجرد تمنٍّ، وأنها مثَل أعلى لا يُدرك، وربما يقول معظم الناس، كما قيل لي في عدة مناسبات: لا يمكن أن يتحقق الحوار الآن لأنه لم يكن أبداً من قبل موجوداً. وواقع الأمر أن هناك ثقافات مؤسسية -سمتها الأولى الإحباط- تقوم بكاملها على تصور أننا غير قادرين على إنجاز ما لم يتحقق من قبل. ومع أن الثقافات ما برحت مترابطة دوماً بطريقة أو بأخرى، فإنه ما يزال الكثير من الأفراد والجماعات يوحون للشباب الخوف من "الآخرين"، وهو ما يأتي من الماضي المليء بالتحيّز ورفض التفاهم والفشل.

إن اكتشاف شيء جديد لا نعلم حتى بوجوده هو عنصر الدهشة والمتعة في الحياة، فعندما كنت فتياً، كان من هم أعقل مني وأكبر سناً ينصحونني بعدم الخوض في مغامرات لم يخضها أحد من قبلي، لم أكن لأفهم ذلك لأن تلك التحديات كانت تبدو لي أشد الأشياء جاذبية.

في الكثير من الأحيان يزرع الكبار في الشباب شيئاً من الشك يخفيه أولئك الكبار تحت ستار التظاهر بالحنكة، فلربما ليس من الواقعية في شيء أن نتواصل مع الشباب بتلك الطريقة، ورب شيء سميناه تجربة كان مجرد مثال على فشلنا.

إن مجتمعاتنا العربية بحاجة ماسة إلى رياح باردة للتغيير والانتقال السلمي من مرحلة تاريخية إلى مرحلة أخرى، إنها بحاجة إلى فهم أبناء الجيل القديم لمنطق الجيل الجديد وضروراته، إننا نحتاج إلى مبادئ أساسية تحدد العلاقة بيننا وبين متغيرات القرن الجديد، قبل أن تعصف بمقدراتنا العواصف الهائجة التي تقلب الأمور رأساً على عقب.

ليس المهم أن نباشر بالغضب وعمليات الحرق والنهب وتفاعل الانقسامات وغياب الأمن والنظام، ولا حتى القتل والتدمير، بقدر ما تحتاج مجتمعاتنا إلى خلق جدلية حوار حضاري من أجل التغيير السلمي بين الجيل القديم بكل ما يؤمن به من مسلمات، والجيل الجديد بكل ما يسعى إليه من طموحات.

الجيل الجديد يحدد خياراته بالطريقة التي يقتنع بها، والغالب أننا لا نقتنع بها نحن، ولا أكشف سراً إن اعترفت بأن عبّود هو الذي عرفني على عالم "الفيسبوك"، بعد أن اكتشفت قبل نحو عام أن له صفحة عليه، ويتواصل بها مع أقرانه.

التغيير قادم، رضي من رضي، وأبى من أبى، ولن يمنع تكلس عقول بعضنا من ولوج العالم الجديد؛ عالم الحرية وفضاءات ميادين التحرير.

[email protected]

التعليق