نتنياهو والتغييرات الإقليمية

تم نشره في الجمعة 18 شباط / فبراير 2011. 03:00 صباحاً

لم تخفِ الحكومة الإسرائيلية وغالبية النخبة السياسية خشيتها من أن ما يحدث في مصر سينتهي ليزيد من منسوب التهديد لأمن إسرائيل ولسلامها المستقر مع مصر. فالنقاش الإنساني والقيمي المرتبط بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، كبعد أساسي للأحداث الإقليمية، غير موجود في تداولات معظم نخب إسرائيل السياسية، إذ إن المهم هو "الأمن الآني" كما يعّرفه المعنيون بهذا الشأن.

الموقف الإسرائيلي، كما الدولي، يدلل على ضيق أفق وغياب التصور الاستراتيجي لفهم الأمن وضروراته، وهو غافل عن أحد أهم وأقوى تعميمات العلوم السياسية على الإطلاق في أن "الديمقراطيات لا تحارب بعضها"، وهي غالبا ما تجد وسائل أخرى لحل خلافاتها قبل أن تصل لحدود الحرب. لسنا ننظر أكاديميا، ففي التاريخ الإنساني الدموي المليء بالحروب كانت هناك حربان فقط بين ديمقراطيتين، فيما باقي الحروب حدثت بين اللاديمقراطيات أو بين ديمقراطيات من جهة ودول غير ديمقراطية من جهة أخرى.

انتفاضتا تونس ومصر حيّدتا النقاش حول إسرائيل، وفي هذا نضج سياسي وإدراك لجدلية هذا الأمر، ما يعني أن تغيير السلطات المستبدة والحكومات غير التمثيلية لا يعني بالضرورة الحرب ضد إسرئيل. تحييد الصراع العربي-الإسرائيلي لا يعني تعاطفا مع إسرائيل، لكنه يدلل بوضوح على ضيق صدر الرأي العام بمقولة أن لا "صوت يعلو فوق صوت المعركة" وأن كل شيء في الإقليم، بما في ذلك التطور والنماء السياسيان، يجب أن ينتظر إلى حين الانتهاء من الصراع العربي-الإسرائيلي، وأن فقط بناء الجيوش وإعداد العدة هما المسموح بهما الآن. شعوب عربية تم تجويعها، وأخرى امتهنت حرياتها بسبب المعركة العادلة المقبلة مع إسرائيل، ولكن في النهاية لا معركة حدثت ولا تنمية تحققت. جيل الشباب العربي المتعلم ما عادت تنطوي عليه خطابات الخمسينيات والستينيات، هذا ما أثبتته ثورتا تونس ومصر.

في ما يشهده الإقليم درس سياسي مفصلي لنتنياهو وأيديولوجيته السياسية، في أن الوضع الراهن من الأمن النسبي الآني لإسرائيل والقائم على الردع العسكري، غير مستدام لأنه غير مؤسس على أرضية متينة. الرئيس المصري السابق حسني مبارك حافظ على السلام مع إسرائيل، لكنه لم يستطع حماية نفسه أمام ثورة الغضب والاستصراخ للحريات والحقوق. السلام المتين والمستدام هو السلام العادل الذي تقبل به الشعوب، لا سلطاتها السياسية فحسب، وسلطة سياسية تمثيلية وديمقراطية هي الأقدر على تسويق السلام وإقناع شعوبها به بدلا من إملائه عليها.

نتنياهو يعتقد، كما قال في نهاية التسعينيات، أنه لا يوجد رأي عام عربي، وأن المهم والأجدى هو ترتيبات السلام مع الدول العربية، وأن يترك لها الحفاظ على السلام وضمان استقراره. ما حدث في مصر وتونس يثبت أن هناك رأيا عاما عربيا، وأنه كالنار تحت الرماد ينتظر اللحظة المناسبة لكي يعبر عن ذاته. والمنطق نفسه ينطبق على التلكؤ في إحقاق السلام العادل والشامل، لأن الغضب من فقدانه كالنار تحت الرماد لا يعرف أحد متى ستشتعل، ووحده السلام العادل والمقنع للشعوب هو الضامن الأجود والأمثل للأمن والاستقرار في المنطقة.

mohammed.momani@alghad.jo

التعليق