راية جديدة

تم نشره في السبت 30 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 02:00 صباحاً

هي "دورة دموية" عربية بامتياز!

فمنذ أن وقع نظري على طارق عزيز، وهو يقاد إلى المحكمة بـ"البيجامة"، فهمت الرسالة الأولى!

وبعد أن حكم على طارق عزيز بالإعدام، فهمت الرسالة الثانية!

وما بين الرسالتين، رسالة أخرى، قوامها أن الرهان على المعارضة العربية، هو رهان على "الماء في الغربال"، في حال "تنعّمها" بمقاليد السلطة في أي بلد عربي.

وإذا كانت مقولة أن الأنظمة تفرز معارضات من جنسها، من حيث القمع والاستبداد، ونبذ الرأي الآخر، فمن الصحيح، أيضا، أن المعارضة، هي الأخرى، تفرز أنظمة من جنسها، إذا اتخذت من العنف والتعسف والاستبداد بالرأي منهجا لعملها.

أنا لا أدافع عن الأنظمة العربية، أو أبرر لها قمعها، لكن كيف يمكن لهذه الأنظمة أن تثق بالمعارضة، وهي ترى ما حلّ بنظيرات لها في دول عربية أخرى، حين استطاعت المعارضة في تلك الدول أن تقود انقلابات ناجحة ضد أنظمتها.

ربما لا يعرف الجيل الحالي شيئا عن هذه المشاهد الدموية المرعبة، التي كانت ترافق تلك الانقلابات، ولحسن حظه أنه لم ير مشاهد السلخ والذبح وتقطيع الأوصال، والسحل في الشوارع، لرموز تلك الأنظمة البائدة.

كانت مشاهد يندى لها الجبين وتثير الاشمئزاز، من قبل "معارضات" غاضبة، تبدو وأنها قدمت من أدغال الأمازون، ببدائيتها ووحشيتها، وسواطيرها، تبحث عن كل ما يمتّ إلى العهد البائد بصلة، لتُعمل فيه حقدها وبربريتها.

والحال أننا لم نكن نحن، فقط، من يشاهد تلك المناظر المروعة، بل كانت تشاهدها الأنظمة العربية القائمة، أيضا، فتزداد، هي الأخرى انكماشا، وعزلة، في قلاعها.

والأهم من ذلك، أن الأنظمة، كانت تفقد الثقة بالمعارضة العربية، فيغدو أمنها الذاتي هاجسا، يفوق الأمن الوطني، برمته، فيتعاظم قمعها، وتتوسع دوائر أمنها، وكبتها للمعارضة، حتى لا يكون مصيرها كمصير أقرانها من الأنظمة البائدة، ولهذا، على الأرجح، لم يعد للانقلابات مكان في قاموسنا العربي الدامي، منذ أكثر من نصف قرن.

ثم جاء الانقلاب الجديد في العراق، لتتسلم رموز المعارضة القديمة مقاليد السلطة، بصرف النظر، عن الوسيلة التي قدمت بها. وكنا نتوقع أن السلطة الجديدة، استوعبت دروس التاريخ، ورجحنا، من ثمّ، أن تنأى بنفسها، عن أساليب القمع والتنكيل برموز العهد السابق، لكن الوقائع، كلها جاءت لتثبت العكس.

كنا توقعنا صفحة بيضاء، لا مكان فيها لتبادل المشانق، بين عهد وعهد، ولا تداول فيها لشعارات الانتقام، بين نظام وآخر، وأمّلنا أن ندفن إلى الأبد معادلة الأنظمة التي تفرز معارضة من جنسها أو المعارضة التي تفرز أنظمة على شاكلتها. وكنا نريد أنموذجا جديدا في الحكم العربي يقوم على الصفح والتسامح، لا على السحل والانتقام، خصوصا وأن المعارضة قدمت هذه المرة من فنادق لندن ونيويورك، وتوقعنا أنها أكثر إلماما بالحضارة واحترام النفس البشرية، من سابقاتها من معارضات الأدغال.

لكن "الدورة الدموية" أبت أن تفارق أهلها، فما شاهدناه صدمنا وأطاح بآمالنا، وسيجعل أنظمتنا الأخرى أشد انكماشا وعزلة، وولعا بالهاجس الأمني الداخلي ومؤسساته، لأن بديل ذلك هو حياتها ذاتها.

قلت إن الرسالة الثانية، المتصلة بإعدام طارق عزيز قد وصلت تماما، وقوامها أن الرهان على المعارضات العربية، ما يزال يراوح بين "الماء والغربال"، خصوصا وأن الإعدام سيطال رمزا حضاريا من رموز النظام السابق، معروفا بثقافته الواسعة، وبدبلوماسيته الفذة، والأهم أنه خدم بلده، بإخلاص، من وجهة نظره، التي كان حريا بالنظام الجديد أن يحترمها، بصرف النظر عن اتفاقه أو اختلافه معها، وكان ينبغي، على الأقل، ومن باب الاحترام لهذا الرجل، أن يكون معززا مكرما، لا أن يتم جلبه إلى قاعة المحاكمات بـ"البيجامة".

أما الرسالة الأولى التي وصلتني، سابقا، لدى مشاهدتي طارق عزيز بـ"البيجامة" في قاعة المحكمة، فقوامها أنني عرفت أي راية عربية جديدة، سأرفعها إذا أعدم طارق عزيز، بدلا من "رايات التحرر، والتمدن، والنصر، والاستقلال".

أعني أنني أعتزم استبدال كل تلك الرايات الزائفة، براية واحدة، هي "راية البيجامة"، ثم سأعود إلى الأدغال.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »دبلوماسي رفيع المستوى (لورا)

    السبت 30 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    السيد طارق عزيز شخصية فذة و دبلوماسية راقية و عالية المستوى و نتذكر عندما قال للخارجية الأميركية إنكم أخطئتم في الحسابات في التدخل في أزمة الخليج، و يجب على العرب الشرفاء العمل على وقف هذا الحكم الجائر على السيد طارق عزيز
  • »المعارضة (لورا)

    السبت 30 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    كان السيدطارق عزيز شخصية فذة ذات دبلوماسية راقية في السياسة الخارجية العراقية أيام حرب الخليج الثانية 1991 و عندما قال لأميركا أخطئتم الحساب في التدخل في العراق، نعم ليست كل معارضة، تعتبر معارضة وطنية أقصد المعارضة العراقية التى ساندت أميركا في إحتلال العرق