أوباما في الهند

تم نشره في الجمعة 29 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 02:00 صباحاً

 

باراك أوباما، وهو الرئيس الأميركي السادس الذي سيزور الهند (في الشهر المقبل) منذ استقلالها، يصل إلى الهند في وقت عصيب، سواء بالنسبة للولايات المتحدة أو الهند. فقد استقال للتو بعض من أقرب مستشاري أوباما إليه، الأمر الذي أدى إلى فتح ثغرة حرجة فيما يتصل بالأمن الوطني والاقتصاد ـ وهذا هو محور لقاءاته بالمسؤولين في الحكومة الهندية.

وبالنسبة للهند فإن القضايا المدرجة على جدول أعمال زيارة أوباما جسيمة ومعقدة، والخيارات المتاحة لحلها محدودة للغاية. فالقضايا المرتبطة بالأمن في أفغانستان وباكستان ما تزال خطيرة كما كانت دوما. وقد لا تكون الخلافات الثنائية، حول القضايا الاقتصادية التجارية أو القضايا المتعلقة بالعملة، مريرة بقدر ما هي بين الولايات المتحدة والصين، ولكنها شائكة، والافتقار إلى العزيمة يضيف إلى تعقيدها تعقيدا.

وتظل قضية منع انتشار الأسلحة النووية تشكل واحدة من أهم أولويات أوباما، وكذلك مسألة بيع التكنولوجيا النووية المدنية الأميركية للهند، والتي مهد الطريق لها الرئيس السابق جورج دبليو بوش. ولا شك أن أوباما سوف يكون حريصاً على التعرف على المساعدة التي قد تتمكن الهند من تقديمها فيما يتصل بقضية إيران، وهي الدولة التي تربطها بالهند علاقات سلسة، بسبب المخاوف المشتركة بين البلدين فيما يتصل بأفغانستان وباكستان.

ولكن ماذا نستطيع أن نتوقع من زيارة أوباما للهند في ضوء هذه القائمة القوية من التحديات؟ قبل بضعة أعوام، طرح عليّ ستروب تالبوت نائب وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك بضعة تساؤلات في إطار الإعداد لزيارة الرئيس بِل كلينتون. وباعتباري وزيراً لخارجية الهند في ذلك الوقت قلت له: "لماذا نحدد للزيارة مقاصد محددة؟ يكفينا التوجهات". والواقع أن ذلك الرد ينطبق على الحال اليوم: ففي ظل التوجهات الجديدة في العلاقات بين الهند والولايات المتحدة، لابد أن يتبع ذلك السعي إلى مقاصد جديدة.

إن زيارات الدولة لابد وأن تكون عامرة بالخطب العصماء الزائدة عن الحاجة. وتميل اجتماعات القمة الهندية الأميركية بصورة خاصة إلى هذا الضرب من الغطرسة: الجمهورية العظمى تلتقي بأضخم ديمقراطية على مستوى العالم. والواقع أنه من الأفضل كثيراً بالنسبة للبلدين أن نتجاهل مثل هذه الأوصاف الرنانة.

وهناك مظهر آخر تتسم به اجتماعات القمة هذه ـ تبادل القوائم حول البنود "الواجبة" والبنود "الممكنة" ـ ولابد أن نتخلى عن هذا المظهر أيضا. وإنه لأمر مهين وممل أن نتعامل مع الرئيس الأميركي الزائر وكأنه بابا نويل الذي ننتظره لكي نقدم له قوائم طويلة من الأماني التي يتعين عليه أن يحققها. على نحو مماثل، وبرغم الظروف الاقتصادية العصيبة التي تمر بها أميركا، فمن المستحسن ألا يستخدم أوباما هذه الزيارة لتسويق السلع الأميركية. فرغم أن التجارة تشكل وسيلة فعّالة لدعم العلاقات الطيبة، فإن هذا النوع من المحادثات يحتاج إلى الاختصاصيين المعنيين به وليس أوباما ورئيس الوزراء مانموهان سينغ.

وينبغي لهذين البلدين العظيمين، "الحليفين الطبيعيين" على حد قول رئيس الوزراء السابق اتال بيهاري فاجبايي، أن يركزا على كل ما تمكنا من إنجازه معاً منذ عام 1998، من أجل رسم خريطة للمستقبل. فالآن تقوم العلاقة بين الطرفين على التكافؤ، وبالتالي فإن مصالح البلدين الوطنية لابد وأن تكون متوافقة فيما يتصل بكل شيء بداية من باكستان إلى تغير المناخ.

والواقع أن أوباما في وضع فريد بوصفه رئيساً أميركيا، ومن الواضح أنه يدرك هذه الحقيقة، ولو أن خصومه في الولايات المتحدة لا يدركونها. إن القوة تبدأ اليوم بقبول الحدود التي تقيدها. ويصدق نفس القول على الهند التي أدركت للتو مكانتها الجديدة في العالم، حيث توسعت المسؤوليات الملقاة على عاتقها وحدود تحركاتها إلى حد كبير.

إن الجوار المحيط بالهند يتسم بعدم الاستقرار، ولقد دخلت أميركا هذا الجوار من دون أن تستوعب العواقب الكاملة لدخولها ـ سواء بالنسبة للهند أو البلدان المجاورة لها. ويتعين على الهند أن توجه إلى أوباما أسئلة صعبة حول كيفية ترسيخ الأمن، ولكن قبل أن تفعل هذا يتعين عليها أولاً أن تطرح ذات الأسئلة على نفسها.

يتعين على الهند أن توضح ـ ويتعين على الولايات المتحدة أن تدرك ـ أن البلد شبه القاري الذي يؤوي أكثر من بليون نسمة ليس من الممكن أن يظل محصوراً ضمن حدود "جنوب آسيا". ويتعين على الولايات المتحدة أن تتقبل وأن تناقش بصراحة العواقب الضارة المترتبة على التوسع المفرط لقوتها العسكرية والدبلوماسية والسياسية ـ في إطار هذه الحرب البعيدة التي دفعت المنطقة إلى مأزقها الحالي البغيض.

ولكن ماذا قد يكون بوسع البلدين أن يفعلا، بالتعاون فيما بينهما، وكل منهما على حِدة؟ يتعين على الزعيمين أن يتقبلا أن التاريخ مصير، وأن المنطق الذي لا يدحض للجغرافيا يحدد ذلك المصير. وهذا هو الدليل المرشد الوحيد الجدير بالاعتماد عليه في التصدي للتحديات المعقدة التي تواجهها المنطقة.

والواقع أن القيود التي تحد الخيارات المتاحة للولايات المتحدة، والتي تفرضها الظروف، لا تسمح إلا بحيز ضئيل من الارتجال الدبلوماسي. والقيد الأعظم في هذا السياق يتلخص في العلاقة الصعبة المتزايدة سوءاً بين الولايات المتحدة وباكستان. ويتعين على الهند أن تفهم هذه الشراكة المضطربة، التي دخلتها الولايات المتحدة بكامل انتباهها، ولو أنه قد يكون من المفيد أن تتقبل الولايات المتحدة حقيقة مفادها أن الهند تكبدت ـ وما تزال تتكبد ـ ثمناً باهظاً في هذا السياق. ولن يتسنى للبلدين أن يرسما مستقبلاً مشتركاً إلا بتقبل مثل هذه الحقائق.

وعلى نحو مماثل، فمن غير الحكمة أن تعرض الولايات المتحدة طواعية على الصين الاضطلاع بدور في إدارة شؤون المنطقة التي تضم الهند ذاتها ـ وهو ما بدا وكأن أوباما يحاول القيام به بالفعل أثناء زيارته التي قام بها إلى الصين في وقت سابق من هذا العام، حين تحدث عن الصين بوصفها قادرة على الاضطلاع بدور في كشمير. ويتعين على الولايات المتحدة أن تكف أيضاً عن التشكيك في علاقة الهند بإيران، وهي الدولة المجاورة التي ارتبطت بها الهند طيلة قرون عديدة بعلاقات اقتصادية وثقافية بل وحتى حضارية.

إن شعبين وبلدين عظيمين، على الرغم من "التحالف الاستراتيجي" الذي يربط بينهما الآن، قد تتباين الخطوات التي يقطعانها من حين لآخر، كما حدث بين الهند والولايات المتحدة ـ على سبيل المثال، فيما يتصل بمفاوضات تغير المناخ. ولكن في مثل هذه اللحظات قد يكون من المفيد أن يتذكر أوباما كلمات فاجبايي التي ألقاها أثناء زيارة كلينتون، حين اقتبس من قصيدة والت وايتمان وعنوانها "ممر إلى الهند":

"أبحر إلى الأمام ـ وجه دفتك إلى المياه العميقة،

أيتها الروح المغامرة، أنا معك، وأنت معي،

فمقصدنا لم يجرؤ ملاح على الإبحار إليه من قبل".


* وزير شغل سابقاً مناصب وزير الخارجية، ووزير المالية، ووزير الدفاع في الهند، وهو عضو معارض في البرلمان الهندي.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق