في الحراك الانتخابي

تم نشره في الثلاثاء 12 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 03:00 صباحاً

الحملة الإعلانية للمرشحين تظهر حماسا كبيرا يختلف عن الانطباع السائد بعدم الحماسة للانتخابات، وبالطبع فإن قضية دفع الناس إلى الانتخابات أصبحت منذ أمس قضية المرشحين الأولى، وليس من نافلة القول إن الانتخابات فقدت طابعها الجماهيري، وهذا ليس أمرا سيئا بالضرورة، فيفترض أن الطبقات الوسطى والفئات الاجتماعية والاقتصادية والمهنية تتحرك في الانتخابات وفي الحياة العامة والسياسية وفق برامج ومصالح وأفكار لا تقدم فيها ولا تؤخر الحفاوة الجماهيرية وحشد الناس والخطابة فيهم أو استضافتهم ورشوتهم.

سيكون هناك بالطبع حراك عشائري ومناطقي في العاصمة والمحافظات، وهو أسلوب جماهيري في العمل، سيعتمد على الانطباع والمشاعر والمظاهر والعواطف والحشد والخصام والتحالف، ولكنه ليس حربا عشائرية أو أهلية كما يحب أن يعتقد عدد كبير من المثقفين في عمان والكتاب والمراسلين الصحافيين، هناك مشكلة كبيرة لدى هذه الفئة من الناس إذا واجهوا حقيقة التفاعل الانتخابي الجاري ومحاولة تفسيره بعيدا عن مقولات منمطة جاهزة ومسبقة، بعضها صحيح وبعضها خاطئ ولكنها تؤدي إلى نتائج غرائبية وعجائبية ليست موجودة إلا في أذهان كسولة ومتحيزة، ولكن خطورة هذه المواقف الجاهزة أنها تصرفنا عن الفهم الحقيقي لما يجري، ومن ثم القدرة الصحيحة على العمل، ما الذي يحرك الناس ويدفعهم للتأييد والمعارضة؟ كيف يتجمع الناس في الانتخابات؟ من المؤكد أن هناك أبعادا عشائرية وجغرافية في الحراك الانتخابي، ولكن ذلك ليس كل شيء، هناك أيضا الكراهية والإحباط والتعصب، وربما تكون هذه مسائل محركة على نحو أساسي وخفي وفاعل أكثر بكثير مما تتظاهر به من عناوين للتجمع والتحرك واتخاذ المواقف.

التعصب (الديني والجغرافي والاجتماعي والعشائري والاثني) يمنح الناس قدرا كبيرا من الأمان، والتجمع حول قضية تبدو في نظرهم مقدسة أو أساسية، يشعرهم بالانتماء والمشاركة والفاعلية، وهذا ما يبحث عنه الناس (ربما) أكثر من خدمات ووعود صغيرة أو كبيرة.

يقول الفيلسوف الأميركي إيريك هوفر (1902 – 1983) لا يستطيع الإنسان أن يجد نفسه بلا قضية، ولا يستطيع من هجر قضيته المقدسة أن يندمج في وجود مهني وفكري ويحيا بفردانية مستقلة، الأغلب أنه سيبحث عن قضية أخرى، شأنه شأن المسافر المفلس الذي ينتظر مرور سيارة تحمله مجانا، ولذلك يتنقل المتطرفون والمتعصبون بسهولة بين التعصب القومي والديني والعشائري والجغرافي والاجتماعي، وأفضل وأسهل ما يجمع ويمتع ويسلي هذه المجاميع وجود عدو أو منافس.

البديل بطبيعة الحال قاس وممل وموحش وإن كان مجديا وفاعلا، وهذه مشكلة الحياة والطبيعة التي جعلت كل الإنجازات والنجاحات والتقدم عمليات شاقة، وهو ببساطة أن يعيد الناس تجميع أنفسهم حول مصالحهم وأفكارهم العملية، لماذا لا يتحرك المزارعون وسائقو النقل العمومي على سبيل المثال لأجل تحرير الدعم المالي المزعوم ليكون خدمة مباشرة لقضاياهم واحتياجاتهم في الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي؟ لماذا لا يتحرك العمال لجعل نقاباتهم تعمل لأجلهم وليست جزءا من الشركات أو تابعة لأصحاب العمل؟ وهكذا فهناك آلاف القضايا والأفكار المحركة للانتخابات، ولكن لماذا تسلك الحكومات باعتبارها طبقة ذات مصالح ضد أو مع اتجاهات وأفكار إصلاحية وحالات اجتماعية راسخة وسائدة؟

ibrahim.ghraibeh@alghad.jo

التعليق