بين خوفين: ماذا يخشى الشرقيون والغربيون؟!

تم نشره في الخميس 16 أيلول / سبتمبر 2010. 02:00 صباحاً

عند قراءة تاريخ الإنسان، قراءة دقيقة وبتمعن، والنظر للإنسان ذي الحوامل المعرفية التي تحمل في طياتها الكثير من الإشكاليات، تظهر قضية الخوف، تلك التي قال عنها ديورانت في كتابه قصة الحضارة: "الحضارة نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، وتتألف الحضارة من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون، وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمِنَ الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها".

إشكالية الخوف بين الشرق والغرب، حيث يولد التساؤل من رحم الخوف: لماذا الخوف لدى الشرق هو دائماً عامل ودافع للتراجع والتخلف؟، بينما الخوف في الغرب كان العامل الداعم في عملية التطور والازدهار؟.

ثمة عوامل لإشكالية للخوف، وثمة علاقة بين الخوفين بشكل يثير السخرية والدهشة، رغم التبيان بين الخوفين في مراحله البدائية، هذه الدهشة التي تمت بين الخوفين والشرخ الواسع بينهما، توصل لعدم قبول الغرب هجرة الشرقيين إليه، ومخاوف الشرق من توافد الغرب إليه، فمشكلة وإشكالية الخوف قائمة بين الشرق والغرب بحد ذاته، فالخوف في الشرق مخاوف مركبة (مخاوف ذات موروث ثقافي –مخاوف ذات أبعاد دينية – ومخاوف من الأنظمة الحاكمة في الشرق ذات الطابع الاستبدادي)، رغم ما يملكه الشرق من إرث حضاري ساهم في وقت ما في خدمة البشرية.

الخوف من الموروث الثقافي مثلا في الشرق جعل الفرد لا يستطيع الغناء خارج ذاك السرب الذي ينتمي له، ولأنه على يقين بأنه إذا طار خارج السرب، سوف يرميه العقل خارجاً، وعلى اعتبار أن الإنسان كائن اجتماعي، سيبقى وحيدا يضربه هاجس الجنون وهو في عزلة اجتماعية.

الخوف من السلطة، التي اختزلت جميع المخاوف لتستمر على حساب شعوبها، فسيطر الخوف على الفرد الشرقي من السلطة، حتى بات لا يستطيع أن يحاور ذاته بصوت خافت، خاصة وأن السلطة تترقب أبسط تفاصيل حياته التي تتعارض مع بقائه.

مخاوف الشرق التي ذكرت كانت عاملاً مهماً في تخلفه وعدم مواكبته حركة العالم، وبينما الشرق يتنقل بين مخاوفه وبشكل اعتيادي حتى أصبحت هناك ألفة بين الذات الإبداعية والخوف، نجد بأن الشق الآخر للشرق، ألا وهو الغرب وعلاقته مع الخوف، فالخوف لدى الغرب كان داعماً دائماً وأبداً للتقدم والتطور والازدهار.

يتجلى الخوف في الغرب بمخاوف (بيئية – الأوبئة – لغوية – انقراض الحيوانات..) ما جعل هذا الخوف يساهم في جعل العقل الغربي يتحرر من خوفه الداخلي ويربطه بعامل التطور، ويعطيه الدافع لعملية التحليل والتركيب حتى تتمكن من التفسير.

في الغرب الخوف من الكوارث البيئية مثلاً تدعمه ليعطي كل ما لديه من معرفة، واضعا بذلك آليات وقرارات مدروسة لتجاوز الكارثة البيئية التي تهدد مستقبله للخطر، الغرب يستهلك الملايين من الدورلات ليحمي حيوانا من الانقراض.

الخوف لدى الغرب من الكوارث الطبيعية والبيئية والإنسانية كان داعما لفهم الحياة وازدهارها، ما جعل الفرد الغربي يتحرر من مخاوفه ليبني عليها أملا جديدا للحياة البشرية والاستمرار الطبيعي ولجميع كائناته، وهذا ما يجعل الخوف للغرب قوة داعمة للتطور.

الفرق واسع بين الخوفين (في الشرق والغرب)، فظل الخوف الأول والذي أسر فرده داخل مخاوفه ومخاوف مجتمعه، ذات الجذر والموروث الديني والثقافي، فكان الخوف في الشرق عاملاً لتخلفه، بينما كان الثاني محرراً لفرده من مخاوفه، داعماً لتطور الحياة في الغرب.

* كاتب سوري، خاص بـ "الغد" بالتنسيق مع مؤسسة "منبر الحرية"

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الثقة أيضاً... (إيهاب القعقاع)

    الخميس 16 أيلول / سبتمبر 2010.
    كلام منطقي و رائع ، و يضاف إليه بإعتقادي أن الغرب لديهم الثقة الكافية ببلدانهم و رؤوسائهم المنتخبين ديموقراطياً مما يعطيهم الدافع الأكبر للعمل و التطوير.
    أما عندنا غي دول العالم الأخير فمعظم رؤسائنا يأتون بالوراثة رغماً عن أنف الشعب ، حتى الوزارات و الوظائف الكبيرة أصبحت بالوراثة و هذا دافع كبير للناس لأن لا يعملوا للأمام.