إبراهيم غرايبة

مسجد نيويورك

تم نشره في الأربعاء 15 أيلول / سبتمبر 2010. 02:00 صباحاً

ليس انتصارا كبيرا ومهما للمسلمين إقامة مسجد نيويورك، ولا هي هزيمة كبرى أنْ لا يقام المسجد، فالمسلمون في بلادهم قضيتهم الأساسية وأولويتهم الكبرى هي الحرية والعدالة، وأولى بالمشتغلين والقلقين على المسلمين وأوضاعهم في أنحاء العالم أن تشغلهم الحرية وغيابها والعدالة وغيابها، فذلك ما يقوم عليه الدين والحياة معا، ولن يزيد شيئا بناء مسجد في نيويورك كما لن ينقص شيئا عدم بنائه.

سمعت من الدكتور عبد الكريم غرايبة أن مدينة الناصرة بقيت منذ أن دخلت في العهد العربي الإسلامي في عام 640م إلى منتصف القرن التاسع عشر مدينة مسيحية ليس فيها مسجد واحد، وكان أول مسجد أقيم فيها بتبرع من الفاتيكان، فقد واصل المسلمون احترام الطابع المسيحي للمدينة.

وفي جميع الأحوال فإن بناء المساجد وارتفاع المآذن في الغرب أو القوانين المتعلقة بالمواطنين المسلمين الأوروبيين والأميركيين هي قضية تخصهم، وهم قادرون على إدارتها وفق تقديرهم لمصالحهم وعلاقاتهم بحكوماتهم، ويملكون من الحريات والإمكانيات أفضل بكثير مما نملك في الشرق العربي والإسلامي، ولا يحتاجون لفزعتنا، بل نحن بحاجة إليهم أكثر مما يحتاجون إلينا، وأولى بهذه الغضبة المضرية لأجل مسجد في نيويورك أن تكون لأجل الحقوق الأساسية والحريات والعدالة في الفرص والمساواة التي تكاد تكون محرمة على العرب في بلادهم، فالإسلام مهدد في بلاده، وليس في نيويورك.

الأمثلة كثيرة جدا والتي تصلح للتوضيح كيف استطاع الإعلام أن ينشئ بيئة اجتماعية وسياسية وإعلامية تشجع على الاعتداء على العرب والمسلمين وانتهاك أبسط حقوقهم من دون حاجة إلى سند قانوني وقضائي، وكيف تمرر هذه الاعتداءات وتكون متقبلة لدى الرأي العام والمحاكم والإدارات، وتعطي دروسا مهمة للعرب والمسلمين للمشاركة في اللعبة الإعلامية على النحو الذي يساعدهم ولا يضر بهم وبقضاياهم.

ولكن يمكن إدارة الأزمة في سياقات مختلفة ومتعددة تميز بين المعارك والحالات، وتفرق بين ما يختلف عليه ويتعاون لأجله، وتميز بين الدين والمواطنة، وبين الدول وعلاقاتها.

وأما المسلمون في العالم فيجب أن يتركوا للمسلمين الأوروبيين إدارة وتنظيم أزمتهم مع الدول والمجتمعات الغربية على النحو الذي يقدرونه، ففي دفاعنا المستميت عنهم وفي حملات المواجهة مع الإساءة إلى الإسلام والمسلمين في الغرب نزيد مشكلة المسلمين الأوروبيين ضراوة، ونحولهم إلى أغراب ومتسللين في أوروبا، ولا نفيد قضيتهم في شيء، ولا نفيد أيضا في قضية الإساءة إلى الإسلام والمسلمين، بل نزيد الغرب عداء وضراوة، ونعطي فكرة عن أنفسنا بأننا مستفزون ويسهل استفزازنا واستدراجنا، وكأن الغرب يتسلى بإثارتنا.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »القضيه اكبر من مسجد نييورك (راتب قواقنه)

    الأربعاء 15 أيلول / سبتمبر 2010.
    اتفق مع الكاتب بأن نعطي همومنا الداخليه الاولويه , لان داخلا قويا يمنحنا ارضا صلبه لمجابهة ما يحاك لنا من الخارج , لكن هذا لا يعني ان نقف موقف المتفرج وندير ظهورنالما يحدث.
    القضيه اكبر من بناء مسجد ولباس نقاب وما الى ذلك, نحتاج لمزيد من الوعي للتعامل مع قضايانا الخارجية ولا يجوز الانكفاء على انفسنا فالذي يمنع بناء مسجد في نييورك الان يستطيع ان يفعل اكبر من ذلك في اي عاصمة عربية او اسلاميه فما يحدث في نيويورك او باريس يمكن حدوثه في عمان والشواهد كثيره فمطابخنا السياسيه والاجتماعيه تدار من الخارج يا استاذي العزيز.
  • »لا يتسلى الغرب لأثارتنا ,,بل يريد سحقنا عن الوجود (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الأربعاء 15 أيلول / سبتمبر 2010.
    لم يتسلى الغرب باثارتنا لما قامت اوروبا بحروبها الصليبية ضد المد الاسلامي ، وضد الكنيسة الشرقية العربية الأرثدوكسية ..ولم تتسلى أمريكا وأوروبا عندما أعلنوا حرب الأبادة ، الهوليكوست ضد الأسلام والمسلمين عندما شنوا حربهم على الدول الأسلامية في شرقي اوروبا في الثمانيات ..ولم تتسلى أمريكا وبريطانيا وأسرائيل عندما افتعلوا حادثة 11 سبتمبر ، وألصقوها بالأسلام ، ووصموه بالأرهاب ..وكل أرهابي يجب قتله ..والمسلمون كلهم ارهابيون ويحق قتلهم.. لم يكن احتلال العراق والنفط استفزازا ..لم تكن تفلبات الرئيس اوباما للقضية الفلسطينية استفزازا حتى يتسلى الغرب بأثارتنا ..وهنالك مجموعة من البراهين تثبت عكس نظريتك
    وحتى بناء المسجد فهو تخطيط من بعض اليمينين الأمريكيين المتطرفين ، واقناع المجلس الأعلى ألاسلامي لبناء المسجد فوق موقع الزيرو ، ليس حبا بلأسلام والمسلمين بل لأستفزاز الشعب الأمريكي لينقمون على مسلمي أمريكا ، واستفزازهم للمقاومة
  • »أي دفاع مستميت؟ (أردنية)

    الأربعاء 15 أيلول / سبتمبر 2010.
    لم أر يا عزيزي الكاتب أي دفاع مستميت عن مسلمي الغرب. رد فعل مسلو الشرق لا يتجاوز الاستياء والاستنكار والغضب، وهي فقاعات من المشاعر سرعان ما تتلاشى في الهواء.
  • »الاولويات (saleh)

    الأربعاء 15 أيلول / سبتمبر 2010.
    مقالة في الصميم ...
    يجب أن نركز على إصلاح حالنا كمجتمعات إسلامية قبل أن نخوض في منافسات وحروب ثقافية مع الغرب ... ان الاستعمار الثقافي قد وصل إلى الذروة في مجتمعاتنا حتى وصل إلى الدرجة التي اصبحنا فيها لا نميز الصالح من الطالح ... في وقتنا الحالي الغرب هم الاقوى فكريا وماديا وأي منافسة من هذا النوع أظن انعا إضاعة للوقت والمال والجهد ... وأهم من ذلك فهي صرف نظر عن القضايا الاهم .... فنحن بحاجة إلى فهم "الأولويات" أولا.
  • »تحليل عميق (عنترة)

    الأربعاء 15 أيلول / سبتمبر 2010.
    فعلا مقالك كشف سخرية الواقع في عالمنا العربي المريض، عالم التنظير و إنفصام الشخصية للأسف