الأرز السوري المطل على سهل الغاب

تم نشره في الخميس 9 أيلول / سبتمبر 2010. 02:00 صباحاً

في أواخر آب المنصرم، ذهبت لمعايدة النور المضيء، الابن الوحيد الباقي على قيد الحياة لسلمان المرشد الذي يعتبر باعث النهضة عند المرشديين الذين يعدون اليوم حوالي 300 ألف في سورية، حيث إن العيد عند الطائفة المرشدية في سورية يبدأ يوم 25 آب ويستمر ثلاثة أيام تحفل بالزيارات النهارية والأمسيات الراقصة التي تعبّر عن فرح أفراد الطائفة بعيدهم.

ونظرا لوجود النور المضيء بهذه المناسبة في قرية القطرة على طرف سهل الغاب، فقد كانت هذه الزيارة فرصة لأتعرّف فيها على المنطقة التي طالما قرأت عنها منذ أن كانت مستنقعات حتى منتصف القرن العشرين وتحولت الى سهل زراعي خصب يماثل الغور في الاردن.

يمتد سهل الغاب أسفل "جبال العلويين" التي تفصل ما بينه وبين الساحل السوري، وهو يتبع الآن محافظة حماة حتى رأس الجبل المسمى "رأس الشعرا"، حيث تبدأ هناك محافظة اللاذقية التي تشمل الأجزاء المطلة على الساحل السوري. في سهل الغاب هناك قرى عديدة مستحدثة سميت بأسماء لها دلالة (القاهرة والحيدرية.. إلخ)، تدل على التغيّر الاقتصادي والاجتماعي خلال العقود الماضية في هذه المنطقة التي كانت مستنقعات يتم التنقل فيها بالزوارق. ففي هذا السهل تمّ توطين الكثير من الفلاحين الوافدين من مناطق مجاورة ممن كانوا محرومين من حيازة الأراضي والعمل بالزراعة المستقرة.

في هذا السهل خصوصيات بيئية لا نراها في مناطق سورية الاخرى. من ذلك شجرة الدرداء الجميلة الموجودة بكثرة في قرية القطرة ما أدى بالسلطات السورية لاعلانها محمية طبيعية منذ ست سنوات. وبسبب وفرة المياه في السابق فقد أصبحت المنطقة تختص بتربية الجواميس التي لانراها في المناطق الأخرى في سورية.

ولكن هذه الوفرة المائية تراجعت كثيرا في السنوات الاخيرة، خاصة بعد انهيار سد زيزون في عام 2000 الذي مايزال شاهدا على المأساة التي حصلت آنذاك، وبسبب موجة الجفاف التي تهدد سورية في السنوات الاخيرة.

من هذا السهل تبدو "جبال العلويين" شاهقة ومغرية بالصعود اليها لما تمثله من غابات كثيفة بالصنوبر والبلوط تغطي السفوح الواسعة المطلة على سهل الغاب. وقد كانت هذه الجبال حاجزا شاهقا بين السكان على الطرفين، أي ما بين السهل والساحل، الى أن قام سلمان المرشد بمبادرة ذاتية منه في نهاية ثلاثينيات القرن العشرين بشق الطريق الذي يخترق هذه الجبال ابتداء من قرية شطحة في سهل الغاب الى قريته جوبة البرغال التي تطل على الساحل.

كنت قد قرأت عن هذا الطريق الذي شقّه أبناء القرى بمبادرة من سلمان المرشد في وقت قياسي لايتجاوز 45 يوما، وبوسائل بدائية لايمكن أن نتصورها الان. وقد اشتهر هذا الطريق باسم "طريق سلمان " الذي مايزال هو الطريق الاقصر والاصعب (16 كم) بين السهل والساحل. ومع انه شق لاحقا طريق التفافي آخر يربط السهل بصلنفة وغيرها من القرى المطلة على الساحل، الا أن "طريق سلمان" ما يزال مغريا للصعود السريع خلال دقائق من سهل الغاب الذي لايتجاوز ارتفاعه 160 مترا عن سطح البحر الى "رأس الشعرا" التي يصل ارتفاعها الى حوالي 1500 متر عن سطح البحر. ونظرا لخصوصية هذا الطريق فقد اختير الان للرالي السوري لسباق السيارات، الذي جرى للمرة الثانية في آب المنصرم.

في قمة هذا الطريق كانت المفاجأة الاولى تبدو في الصورة البديعة لسهل الغاب من هذا المرتفع، بينما كانت المفاجأة الحقيقية تكمن في وجود أشجار الارز الجميلة التي لم أكن أعرف بوجودها في سورية. فمن المعروف أن لبنان يتخذ من الارز شعارا لعلمه الوطني، بل انه غدا مرادفا له، ولكن لم أعرف بعد عن الأرز السوري الذي يستحق أن تكون له محمية طبيعية باسمه.

mm.arnant@alghad.jo

 

التعليق