عيسى الشعيبي

ما وراء الحملة على الانتخابات البرلمانية

تم نشره في الأحد 29 آب / أغسطس 2010. 02:00 صباحاً

أمام سلسلة من المفارقات الفارقة، التي أفرزتها الانتخابات العامة في ثلاثة بلدان عربية مؤخرا (العراق وفلسطين ولبنان)، حيث أنتجت العملية الديمقراطية منتجا غير ديمقراطي، إن لم نقل إنها جوّفت الحياة البرلمانية في البلدان الثلاثة، فإن أخشى ما يخشاه المرء أن تؤدي الانتخابات البرلمانية المقررة بعد نحو عشرة أسابيع، وسط هذه الحملة الضارية لمقاطعة صناديق الاقتراع، إلى إعادة إنتاج مظاهر مماثلة لما وقع في المحيط المجاور، الغارق في مضاعفات لعبة الاستقواء بالسلاح، والجمع بين الخيارات المستحيلة، والتخندق وراء الانتخابات والشرعيات والولاءات المتناقضة والمرجعيات.

ومع وجود فوارق نوعية بين الأوضاع الذاتية في البلدان العربية المشار إليها، وبين الأوضاع الأردنية المتسمة بخاصية الاستقرار السياسي والأمني، والمحصنة ضد مظاهر استقواء الأحزاب والجماعات بالأسلحة، وشعارات المقاومة والتحرير، إلا أن المحاولات المستميتة لتقويض الانتخابات الوشيكة، أو تبهيتها بالمقاطعة والتحريض على المقاطعة والاستنكاف، قد تفضي بهذه العملية الديمقراطية طرية العود بعد، إلى إنتاج معطى غير ديمقراطي مشابه لما وقع في الجوار من مفارقات لا تغري بالتماثل والمحاكاة.

ولسنا في معرض الدفاع عن الحكومة التي لم تحسن خوض معركة كسب الرأي العام ولا إصلاح قانون الانتخابات وتصويب الأخطاء، وإنما عن هذا الاستحقاق الدستوري الذي قد تؤدي الحملة المنهجية المنظمة ضده إلى إفراز نتائج جانبية ذات مفاعيل سلبية يتعدى نطاق ضررها حدود صناديق الاقتراع، لتطال هيبة الدولة لا مكانة الحكومة، وتضعف فعالية النظام السياسي وتزعزع العقد الاجتماعي، وقد تنال من عافية القوة المركزية (الاستبلاشمنت)، وأهليتها الضامنة وحدها للأمن والحقوق والواجبات والتوازنات الداخلية.

ذلك أن ما يتجلى من مظاهر تأزيم بالغة الحدة، وما يتواصل من حملات استهداف مركزة، ناهيك عما يتواتر من تصريحات ومواقف وتهديدات لا سابق لها في أي محطة انتخابية ماضية، تحمل على الشك أن وراء الأكمة أجندات خاصة تعمل على تشويش صورة الدولة القوية الآمنة في عيون أبنائها، وتهميش حضورها الإقليمي، ومن ثم تسويد وجهها في الخارج، تمهيدا لمغالبتها فيما بعد وابتزازها ما أمكن، وربما إعادة تعريفها لنفسها كدولة ممانعة ورفض ومقاومة شعاراتية، بديلاً عن كونها واحة استقرار وقوة اعتدال وسلام، ذات خيارات سياسية واقعية، ونهج عصري انفتاحي.

وليس من شك في أن للمعترضين على هذه الانتخابات حقا لا يجادل في انتقاد الآليات والإجراءات المتبعة، بل في الإلحاح على تصويب الأداء، ورفع المطالبات المختلفة لضمان نزاهة العملية وتحقيق الحد الأقصى من شفافيتها، إلا أن ذلك كله لا يبرر هذا الكباش المنسق لليّ ذراع الحكومة حتى لا نقول كسرها من الترقوة، تمهيداً لمنازلة الدولة ومكاسرتها والإملاء عليها، ليس فيما يتصل بالعملية الانتخابية فحسب، وإنما فيما يتعلق بالمفاهيم والتعريفات، ويتصل بهوية النظام ومفردات السياسة الخارجية والقوانين الاجتماعية والانفتاح المديني، وربما لائحة الأحوال الشخصية أيضا.

وقد يكون هذا الارتياب في مغزى هذه الحملة التحريضية المتصاعدة ضد الانتخابات ارتياباً مبالغا به، وقد تكون هذه الحملة أيضا مجرد مناكفة سياسية فاقعة لتسويغ مخارج ملائمة لأزمة ذاتية متفاقمة لدى قوة المعارضة الرئيسية. غير أن هذا القصف الكلامي الموجه ضد الجارة والكنّة معا، ينبغي أن يوضع تحت مجهر عين فاحصة، لاستظهار كل ما وراء الأكمة وإدراك جوهر هذه الجلبة، وهي مسؤولية لا تنحصر في نطاق مؤسسة الدولة فقط، وإنما كذلك في إطار النخبة السياسية ومجتمع المثقفين وقادة الرأي والإعلام وأولي الإرادات الطيبة.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »السكوت (سعيد)

    الأحد 29 آب / أغسطس 2010.
    السؤال الأهم هو البحث عن ماوراء حملة الإستخفاف بالأردنيين وإهانتهم المتكررة ثم تهديدهم لمجرد تصرفهم بأسلوب حضاري راقي يرفض المواجهة ويفضل السكوت. لكن حتى السكوت تستكثروه على المواطن. تريدوه مطية تركبوها متى شئتم. حتى السكوت اصبح جريمة في هذا العصر الذي لن يذكر بالخير.