جميل النمري

شطنا

تم نشره في السبت 17 تموز / يوليو 2010. 02:00 صباحاً

وأنا أختم مقال أول من أمس عن التمركز السكاني الذي فرّغ البلدات والقرى وضخّم المدن والعاصمة خصوصا، لم يخطر ببالي نموذج صارخ على ذلك مثل "شطنا"، واحدة من أجمل البلدات الأردنية المحاطة بالبساتين والكروم، تربض على ارتفاع ألف متر، خلفها صمد والمزار الشمالي على ارتفاع قريب، ومن أمامها تنحدر التلال الجميلة إلى سهل الحصن وكتم والنعيمة.

ليس هناك ما يبعث الأسى في النفس أكثر من مشهد البيوت الحجرية الجميلة والقديمة فارغة من أهلها، فلا يزيد عدد الأسر المقيمة هناك الآن على بضع عشرات، ويقلّ مجموع السكان عن 150 فردا من أصل عدد غير محصور ولكنه قد لا يقل عن 15 ألفا من أهل البلدة الموزعين بين الأردن وبلدان الاغتراب. وليس هناك، على ما أعلم، إحصاء لتوزيع أبناء البلدة، ولا بدّ أن عددا كبيرا هم في الولايات المتحدة.

شطنا بلدة مسيحية، ومن عشائرها المعروفة الدحابرة وسواقد وقندح وعياش وبشارات، وغادر الشباب شطنا للوظيفة والتعليم، في زمن كان الأهل يحرصون على توفير كل قرش لهذه الغاية. وشق الأبناء طريقهم وبنوا مستقبلهم، وغالبا ما سحبوا الأهل وراءهم. يمكن إحصاء مئات الأشخاص هنا داخل البلد في وظائف عليا أو مراكز مهنية متقدمة، أطباء ومهندسين ومحامين ومديرين ورجال أعمال كبار من أبناء شطنا، وهؤلاء جميعا إضافة الى الذين يعيشون في بلدان الاغتراب، لا بدّ تربطهم عاطفة قويّة وذكريات بموطن الآباء والأجداد. ولا بد أنهم يتمنون بطريقة ما، إحياء صلتهم ببلدتهم لكن ليس بين أيديهم طريق واقعي لذلك؛ فمشاغل الحياة والهموم اليومية تسرق وقتهم، وليس هناك أي خيار عملي متوفر لإقامة صلة منتظمة مع البلدة، ناهيك عن العودة الدائمة لها. والعودة في العطل الاسبوعية لم تعد واردة، فليس هناك بالنسبة للأغلبية جدود أو آباء لزيارتهم، ولا بدّ أن الذاكرة التي تربط الناس بالمكان تتقلص وتخبو مع كل جيل لاحق، إذا لم يتمّ تجديد الصلة وإحياؤها بأي وسيلة.

القيمة الثقافية لبلدة عريقة تنحدر من العصور القديمة وهي توشك على الانقراض، لفتت انتباه كثيرين. واختيرت البلدة مكانا لمبادرات تنموية وثقافية وورشات فنّية، مثل ورشة الفنانين العالميّة (تراي آنغيل) التي كانت تعقد في شطنا في تموز (يوليو) من كل عام ابتداء من 2007، لكنها لن تعقد هذا العام 2010 مع الأسف. وقد أقام المبدع خلدون الداوود في شطنا شيئا شبيها برواق البلقاء بالفحيص، وبمناسبة اربد عاصمة للثقافة أقيم مهرجان القمح والزيتون في شطنا. ويقيم الأب عماد الطوال الناشط في المجال الكشفي معسكرا سنويا للشبيبة في شطنا. وكل هذا جيد لكن "الهجرة الى القرية" وفق عنوان مقال للأب الطوال لا تكفيها هذه المبادرات الثقافية الطيبة.

إن واحدا من أهداف مشروع اللامركزية هو عكس التمركز السكاني والتنموي. ويمكن جعل "شطنا" أنموذجا رياديا تطبيقيا له. وثمّة أفكار كثيرة لذلك، وكنت قبل عامين قدمت مشروعا لم يحصل على الموافقة، مع الأسف، لكنني أثق ان الحكومة تستطيع أن توفر المنح لتمويل مشروع ريادي وهو سيقابل حتما بالدعم والحماس من أبناء البلدة في كل مكان.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شطنا عربية (رامي مشربش)

    السبت 17 تموز / يوليو 2010.
    من حق الكاتب أن يترشح عن المقعد المسيحي ويكتب وفق اعتبارات انتخابية تجامل كتلته الانتخابية
    لكن ليس من حقه العبث بالهوية العربية للبلاد. الأردن جزء من الأمة العربية ، والمسيحيون جزء من الأكثرية العربية. وهم مواطنون أردنيون لا توجد عندهم عقد طائفية. وليس عندنا في الأردن كتائب ولا غيرها .
    شطنا بلدة عربية أردنية مثل معان والكرك والشونة.. هل يمكن القول أن معان بلدة مسلمة ؟ وتقسيم المدن طائفيا ؟؟؟
  • »وهل يفتى ومالك في المدينة (د. عبدالله عقروق /فلوريدا)

    السبت 17 تموز / يوليو 2010.
    ولماذا على الحكومةالطفرانه ان توفر المنح.في الوقت الذي ذكرت فيه أن اهل شطنا سواءا يعملون في العاصمة عمان ، أو في أمريكا يجتلون على وظائف ممتازة ..فلماذا هؤلاء لا يوفرون المنح لشطنا لتنفيذ مشروعك الريادي ..على فكرة لقد شوقتني أن أزور هذا المكان عند حضوري الى بلدي الأم الأردن خلال فصل الخريف لا للأستثمار ولكن لللتعرف على وصفك الجميل لشطنا
  • »يسلم قلمك (ابن شطنا)

    السبت 17 تموز / يوليو 2010.
    شكرا يا استاذ جميل على هذا المقال الرائع. أتعجب كيف لم يكتب مقال عن شطنا قبل هذا اذا كنّانتكلم عن اللامركزية وعودة الناس الى الجذور.
    لقد ابدعت في تقديم الموقف وعبرت عم!ا يجيش في صدري وأنا ولدت خارج شطنا لكن بيت جدّي موجود واتخيل المكان المهجور كيف كان يضج بالحياة ايام زمان وحديث ابي الدائم عن طفولتهم في شطناوكم يأخني حنين جارف لشيء لم اعيشه ولكنه مستقر عاطفيا في اعماقي من احاديث الوالد، فهذا موطن الآباء والاجداد وهو هويتناالتي تميزنا وتجمعنا.
    أنا اعتزّ دائما بالقرية التي انتمي اليهاوأتمنى لو ان ما تقترحه يرى النور وعهد ان اساهم به بكل ما استطيع.