وفاة خالد سعيد ورفع كلفة التعذيب داخليا وخارجيا

تم نشره في الأحد 4 تموز / يوليو 2010. 02:00 صباحاً

 تعامل المجتمع المدني بفاعلية مبهرة مع حادثة وفاة الشاب خالد سعيد، والذي ثبت تعرضه للتعذيب من قبل بعض عناصر الشرطة في مدينة الإسكندرية.

الوقفات الاحتجاجية والتظاهرات التي نظمتها مراكز الدفاع عن حقوق الإنسان وشبكات النشطاء كحركة شباب 6 أبريل وكذلك بيانات التنديد التي صدرت عن معظم أحزاب المعارضة أجبرت السلطات على إعادة التحقيق في ملابسات وفاة سعيد، ورتبت وضع الشرطيين المشتبه في قيامهما بتعذيبه قبل الوفاة قيد الحبس الاحتياطي.

وأحسب أن إيجابية وفاعلية المجتمع المدني هاتين تحملان العديد من الإيجابيات، على الرغم من تخوف البعض بأن استجابة السلطات لمطالب المجتمع المدني لن يطول أمدها وستنتهي بتكتم سريع على نتائج التحقيق، بمجرد انزواء الاهتمام الإعلامي بالحادثة، وقناعة البعض الآخر بأن ممارسات التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان التي تتورط بها بصورة دورية بعض عناصر الشرطة المصرية ليست في سبيلها إلى الزوال أو التراجع الحقيقي طالما استمرت ولاية قانون الطوارئ واستمر غياب رغبة نظام الحكم في وقف التعذيب والانتهاكات.

المؤكد أن تفاعلات وتداعيات حادثة خالد سعيد أثبتت لقيادات وزارة الداخلية، وبمعزل عن أي اعتبارات إنسانية، أن الكلفة السياسية لتورط عناصر الشرطة في ممارسات تعذيب وانتهاكات منظمة لحقوق الإنسان بدأت في التصاعد إلى حدود غير مسبوقة تدعو إلى إعادة النظر في جدوى التعذيب والانتهاكات وربما الحد منها.

ومصدر تصاعد الكلفة السياسية هنا هو نجاح مراكز الدفاع عن حقوق الإنسان وغيرها من منظمات المجتمع المدني، وبعد عمل تراكمي على مدار العقود الثلاثة الماضية وفي ظروف صعبة، في تحويل التعذيب والانتهاكات إلى قضايا تشغل الرأي العام وتناقشها باهتمام النخب السياسية والفكرية والإعلامية.

اليوم لم يعد المصريون يتجاذبون أطراف الحديث عن إشاعات تعذيب المعتقلين السياسيين في أقسام الشرطة وفي السجون، بل باتوا يتبادلون تسجيلات صوتية ومرئية تظهر تورط بعض عناصر الشرطة في تعذيب مواطنين، في كثير من الأحيان لا علاقة لهم بالسياسة ومساراتها.

اليوم، أيضا، وبعد أن أصبحت التقارير الدورية لمراكز الدفاع عن حقوق الإنسان تتابع من قبل الإعلام ويشار إليها بالمهنية التي تستأهلها وبعد أن انضم المجلس القومي لحقوق الإنسان (المؤسس بمبادرة حكومية) إلى الركب بإصدار تقرير سنوي به من الحيادية والموضوعية الشيء الكثير، لم يعد بإمكان الداخلية أن تواصل نفيها "جملة وتفصيلا" لتورطها في التعذيب والانتهاكات، وانتقلت تدريجيا من موقع "النفي الدائم" إلى موقع "الاستجابة الجزئية"، وبه انفتحت الداخلية على تنظيم دورات لعناصر الشرطة حول كيفية احترام حقوق الإنسان، وكذلك قبلت - وهو الأهم - التحقيق مع بعض العناصر المتورطة ووافقت على عقوبات حبس وسجن بحقهم.

إلا أن حادثة خالد سعيد لم تظهر فقط تصاعد الكلفة السياسية للتعذيب محليا في مصر، بل دللت على حضور كلفة سلبية لا يستهان بها خارج الحدود المصرية. فما إن تزايد الاهتمام الحقوقي والإعلامي بالحادثة وتوالت المقالات والبيانات المنددة بها والمتهمة لعناصر الشرطة بالتسبب في وفاة سعيد، حتى التقطت بعض الجهات الدولية الخيط وتحركت لمطالبة السلطات بإعادة التحقيق وضمان وقف ممارسات التعذيب في مصر.

الخارجية الأميركية والبرلمان الأوروبي وسفراء دول الاتحاد الأوروبي في القاهرة مثلت أبرز تلك الجهات الدولية وشكلت بياناتها العلنية مفاجأة غير متوقعة للسلطات. نعم اعتادت الحكومة المصرية على بعض الانتقادات القادمة من العواصم الغربية لجهة أحكام قانون الطوارئ وأوضاع حقوق الإنسان المتردية والحياة السياسية المسيطر عليها سلطويا، إلا أن مجمل هذه الانتقادات صيغ في لحظات حراك عام ارتبطت إما بمواسم الانتخابات أو بأحداث كبرى كالتمديد الأخير لقانون الطوارئ ولم تتعلق أبدا بحادثة، تظل على مأساويتها، فردية ولا خلفية سياسية لها.

تنديد الخارجية الأميركية والجهات الأوروبية العلني بوفاة سعيد ومطالبتهم بإعادة التحقيق في ملابساتها، وهو ما دفع الخارجية المصرية لاستدعاء سفراء الاتحاد الأوروبي للاحتجاج بعصبية على ما اعتبرته تدخلا في الشؤون الداخلية، يشكل نقلة نوعية مهمة في اهتمام الخارج بملفات التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان في مصر. وينذر، إن تواصل، وهذا بلا ريب مشروط بتواصل اهتمام المجتمع المدني المحلي وعمله التراكمي في هذا الصدد، بتحول الخارج إلى عنصر ضغط إضافي على الحكومة المصرية يدفع لإعادة النظر في التعذيب والانتهاكات.

أدرك جيدا أن ممارسات التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان تحولت منذ عقود طويلة إلى مكون رئيس في دولاب العمل اليومي لبعض عناصر الشرطة و"ثقافة" تعاملهم مع المواطنين، كما أعلم أن توفر إرادة سياسية واضحة في دوائر الحكم العليا شرط مركزي لإيقاف تام للتعذيب والانتهاكات.

رغم ذلك، يظل رفع الكلفة السياسية للتعذيب داخليا وخارجيا، وهو ما دللت عليه وأسهمت به حادثة خالد سعيد، عنصرا مهما للضغط على الحكومة المصرية للعمل على ترشيد فعل عناصر الشرطة، إنْ بِغَلّ أيديهم جزئيا عن التعذيب أو بالاستجابة إلى مطالب المجتمع المدني والجهات الدولية بمحاسبة بعض منتهكي حقوق الإنسان.

فتحية لمنظمات المجتمع المدني والإعلام المستقل على اهتمامها جميعا بحادثة خالد سعيد، ولمراكز حقوق الإنسان على عملها التراكمي والشاق، فلولا العاملون ما أعادت السلطات التحقيق في الحادثة ولا سمعنا أصوات التنديد المقبلة من الخارج.

ودعونا نأمل بأن تتمكن القوى الوطنية ذاتها والمواطنون الجسورون، ولهؤلاء في بعض شهود حادثة سعيد قدوة حسنة، من الاستمرار في رفع كلفة التعذيب والانتهاكات ومن توسيع نطاق فعلهم ليشمل مجابهة انتهاك الحريات المدنية وحقوق المواطنين السياسية، إنْ بتزوير الانتخابات والتلاعب في نتائجها أو بقمع المعارضين وتعقبهم.

*كاتب عربي من مصر

التعليق