هاني البدري

"لجان تحقيق" لحماية المجرمين!

تم نشره في الاثنين 21 حزيران / يونيو 2010. 02:00 صباحاً

حتى هذه اللحظة لم أسمع عن أي لجنة تحقيق.. أي لجنة، خرجت بنتائجَ أو قراراتٍ وجدت طريقها إلى التنفيذ، كنا دائماً نسمع جعجعة في المدارس والجامعات، في الصحة والزراعة والنقل، في كل الشؤون والقضايا، لكننا لا نرى أبداًً طحناًً.

اللهم إلاّ النتائج التي تحملُ من العبارات المطاطة والعائمة، ما يبرر أعمالها فقط، ويُحَلِلُ لأعضاءِ هذه اللجان مخصصاتهم ومكافآتهم، كأن تتوصل اللجنة إلى أنها "رأت بعد استيفاء التحقيقات المطلوبة واستيعاب كافة وجهات النظر والآراء، وبعد أن تم للجنة بفضلٍ وتوفيقٍ من الله، استيعاب كافة جوانب المشكلة، وتعقيدها وتداخلاتها، والأخطار المحدقة وغير المحدقة، إثر هذه القضية (الراهنة)، التي تكتسب أهمية متزايدة نظراً لتماسها المباشر مع قضايا الناس ومستقبل الشعوب، رأت اللجنة ضرورة الإيعاز للجهات المسؤولة فوراً والعمل على تشكيل لجنة (عليا) للتحقيق في هذا الأمر الجلل..".

تعلمنا أنك إذا أردت أن تُجهزَ على أمر.. فََشَكِل لهُ لجنة، فما بالك لو كانت هذه اللجنة برئيسٍ وأعضاء ذوي مزاج عالٍ وصدرٍ واسع، ستأتي اللجنة الموقرة بخبر الأمر المعروض، وتنسفه من أساسه، ثم تقرر تحويل الأمر برمته إلى لجنةٍ أخرى، فأخرى، فرابعة، فتنفيذية، فاستطلاعية، فَعُليا، إلى أن ننسى عن ماذا نتحدث أصلاً.

لجنة، يعني مكافآت ومخصصات، وربما مياومات إذا انتقل قوام اللجنة مشكوراً إلى خارج المدينة أو الوطن، ولجنة يعني فسادا ومماطلة وتسويفا.

أتذكرون (من باب تنشيط الذاكرة فقط) نتائج لجنة التحقيق بشأن امتحانات التوجيهي مثلاً، أو خطأ طبي في مستشفى حكومي عريق، أو مركز خاص مرموق، أسمعتم أبداً عن لجنة تحقيق في فساد توصلت إلى الإشارة.. الإشارة فقط إلى فاسد أو موظف كبير خان عهود الانتماء والولاء!

الخبر الجيد في كل هذا أننا لسنا الوحيدين في العالم المستأثرين بهذا النهج الحكيم في لُعَبِ السياسة وأشياء أُخرى. فالمشهد ليس حصرياً لنا فقط، فها هي إسرائيل سيدة تشكيل اللجان تستأثر بكل المشاهد الغريبة، لا لتذرَ الرمادَ في عيون البشر فقط، ولكن لتضحكَ أيضاً عليهم، وتجلجل ضِحكَتُها استخفافاً واستهزاءً بنا، وبغيرنا من الكبار في العواصم الكبيرة.

على مدى السنين، عودتنا إسرائيل أنها تحترم صيغة لجان التحقيق، وتمتثل لقراراتها وتستجيبُ لنتائجها، لكن بطريقتها، فهي الأعلمُ بنوعيةِ القرارات والنتائج التي تخرجُ بها اللجان، وها هي الآن تتكفلُ بتشكيلِ لجنةِ تحقيقٍ إسرائيلية (شرسة) لاستجلاءِ الموقف، واكتشاف من ذلك المجرم الذي أطاح بسفن الحرية في عرض البحر، وهاكم شكل اللجنة الإسرائيلية المهيبة.

توركيل هو اسمها، اقتداءً برئيسها القاضي الإسرائيلي (المتقاعد جداً) يعقوب توركيل (75) عاماً، أما هيئة اللجنة الموقرة فهما جنرال متقاعد (86) عاماً، وأستاذ جامعة متقاعد (93) عاماً، أما مهمتها فهي كشفُ الحقيقة وإماطةُ اللثام عن المستور.

أيُّ حقيقة وأيُ لثامٍ ذلكَ الذي سَيميطهُ ثلاثةٌ تعبَ الزمنُ فيهم، فنسيهم وتذكرهم نتنياهو..؟! لجنة.. تفصيل، وعلى المقاسات العربية والتركية، هدفها فقط لفلفة الموضوع، وصلاحياتها لا تدخلُ من أيٍ من أبواب التحقيق الرسمي أو القضائي أو المحاسبة أو الإدانة أو حتى استخلاص النتائج، هدفها فقط "كشف الحقيقة"!

إسرائيل تطربها اللجان، فهي ملعبها وحديقتها الخلفية، تعودت على تشكيل اللجان في بيروت 1982، وحرب لبنان 2006، وبعد حرب غزة 2009 وقبلها وبعدها.. فينوغراد أين ذهبت؟ وماذا حصل مع العم غولدستون، وهناك المئات!

بعد حرب غزة، وكل ما فعلته إسرائيل فيها، توصلت لجنة داخلية إسرائيلية إلى أن القوات الإسرائيلية لم ترتكب انتهاكات، وقتَها وصفَ رئيسُ الوزراء نتائجَ لجنةٍ أخرى للأممِ المتحدة بأنها "مغلوطة ومحَرّفة وغير متوازنة". والغريب أن لجنة تقصي الحقائق الأممية تلك قالت في ختام أعمالها "أننا ننتقدُ إسرائيل لعملها، ونوصي بلجنة تحقيق موسعة لبحث الموضوع..".

في كل مكان لجانُ تحقيقٍ تلتئمُ فقط، لحماية المجرمينَ والقتلة والفاسدين، وتعطي للمُهْمِلينَ والأغبياء، فرصةً أخرى دائماً.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حتى تضيع الحقيقة (أبو هاشم)

    الاثنين 21 حزيران / يونيو 2010.
    عمل لجان التحقبق هو لجم الحقيقة ثم دفنها .
  • »:( (هيثم الشيشاني)

    الاثنين 21 حزيران / يونيو 2010.
    يمكن الخبرة العتيدة تلعب دورها مع هالقضاة الأشاوس
  • »مقال جميل (حُسن الرافعي)

    الاثنين 21 حزيران / يونيو 2010.
    رائع ما تتفضل به يا استاذنا هاني البدري..وعميق ويحتاج لقراءة متأنية من اولئك المسؤولين الذين يشكلون لجان تحقيق على الطريقة الاسرائيلية فقط لذر الرماد بالعيون
  • »شكرا لكم (محمد كريشان)

    الاثنين 21 حزيران / يونيو 2010.
    ما تفضل به الاستاذ البدري هو عين الصواب فعندما تحتاج الحكومات العربية للقضاء على شيء يؤرق الناس تشكل له لجنة وعندما تريد حماية فاسد او مجرم او مترهل تشكل له احلى لجنة..اما اسرائيل فهي بالفعل سيدة تشكيل اللجان لاسكات العالم والظهور بافضل صورة ..شكرا للغد وللبدري..واكتبوا اكثر وعبروا عنا فانتم صوتنا
  • »لجان..لجان..لجان (سوزان مراد)

    الاثنين 21 حزيران / يونيو 2010.
    اشكر الاستاذ الاعلامي الجريء هاني البدري على هذا الطرح الرائع لحالنا في العالم العربي ولحالنا مع اسرائيل..وخوفي بعد هذا المقال ان تقوم الحكومة بتشكيل لجنة لتدارس الموضوع.."عشان تكمل".
  • »جرأة (شيرين زيدان)

    الاثنين 21 حزيران / يونيو 2010.
    أناأحترم رأيك.
  • »الحق للاقوى (طارق شواوره)

    الاثنين 21 حزيران / يونيو 2010.
    اشكر الكاتب هاني الذي دمج المحلي والدولي معا كنت اعتقد ان اللجان عندنا فقط لتزين الاخطاء وتمنحها الشرعيه بعد قراراتها لا اعلم من علم من نحن علمناهم ام هم علمونا .لكني اذكر وانا في المدرسه كنت اشترك في اكثر من لجنه لكي تعطيني الحق في مغادرة الصف او المدرسه بحجة اني عضو في لجنه لا اعلم ما هي واجباتها
    لكني اعلم انه لاصوت يعلو على صوت اسرائيل وتبني وتهدم ما تريد وتشكيل اي فريق لتحققيق ما هو الا ذر الرماد في العيون وموافقتنا على التحكيم يعني اننا نساوي بين الضحيه والجلاد وانهم ربما يكون لهم حق فيما يفعلونه فكان من الافضل لنا ان نرفض اي لجنه لتحقيق وفرض الامر الواقع على المجتمع الدولي و هو انكم مخطئون ومجرمون ولسنا بحاجه الى شهود لكي يدعموا موقفنا وظلمهم لنا نحن نؤمن بحقوقنا ودفاعنا عن انفسنا وشعوبنا لا نحتاج لمن يعزز لنا هذه الاراده بلجنه او قرار فلنا حق في الكفاح والاستمرار في التقدم نحو حقوقنا برجالنا واطفالنا ونسائنا فلهم لجانهم ولنا قانوننا ومبادئنا الراسخه في عمق اعماقنا وعقولنا ولن نتنحى عنها ابدا فلهم مجلس الامن والجمعيه العموميه والمحكمه الدوليه ولهم كل قوانين الارض ولنا وحدنا قانون المقاومه . وشكرا